فلسفة

أرجوحة الفلسفة بقلم ميرنا عيّاد علامة

أرجوحة الفلسفة بقلم ميرنا عيّاد علامة


حين أقرّر أن أكتبَ مقالًا جديدًا, أو حين يُطلب مني ذلك, لا أعلم كيف تنحني ميولي و تتجه نحو الامور الفلسفية الأكثر غموضًا و تفكيرًا, و لا أعلم لمَ أصبحْتُ أغوص في قراءة بعض الآراء الفلسفية حتى باتَت تلك الآراء تجعلني أقارن دومًا ما بينها و بين الواقع الذي أحياه… حتى اكتشفْت أن العالم الأجمل على الاطلاق و الاكثر قابلية للمناقشة و التصريح بالآراء دون خوف و قيود و حواجز هو عالم الفلسفة, عالم الجنون الفكري و البوح النفسي.
و قد قرأت في الآونة الاخيرةعن فلاسفة و علماء نفس متميزين في أفكارهم و آرائهم, منهم أعاجم كأدلر و تشارلز ادوارد و جانيه و ويليام جيمس و ديكارت و بياجيه و نيتشيه… و منهم عرب كالفارابي و ابن سينا و ابن رشد و ابن خلدون و الحلاج و المعري… و غيرهم من العظماء. و لا شك أن هؤلاء الفلاسفة أعاجم كانوا أم عربًا فقد حققوا إنجازات كبيرة و من خلال آرائهم استطاعوا أن يغيروا الكثير في العالم, استطاعوا بنجاح رسم مسارات معينة بالغة في الاهمية…
و أثناء قراءتي المتعمقة لكتابات الفلاسفة و غوصي في التفكير بكل ما كتبوه و كشفوا عن المستور فيه, كانت قراءتي متعمقة بشكل كبير عن الفيلسوف العربي “أبي العلاء المعري”, و من خلال كتاباتي بدا تأثري بأفكاره الفلسفية و مواقفه بوضوح… و لن أكتب عن نشأته و سَيْر حياته الشخصية, فمواقع التواصل الاجتماعي تضج بالسطور التي تتضمن تلك النقاط, و ليس من الحنكة نقل الكلمات من موقع إلى آخر… لكنني أرغب التطرق اليوم إلى آرائه و أفكاره الفلسفية التي قرأت عنها و أثرَت بي أيما تأثير, تلك الافكار التي تتعلق بالدين و الوجود و العدم… و بصورة خاصة أود التحدث عن منهج الشك الذي تميزت به فلسفة المعرّي…
لقد ظهر الشك جليًّا في أقوال المعري. شكٌّ مسَّ مسألة الحياة و الموت, الوجود و العدم, قبول الحياة و رفضها. و لا عجب في ذلك من فيلسوف, فنحن جميعنا, إذا ما تعمّقنا في أنفسنا و تصالحنا مع أفكارنا بعيدًا عن فكرة الخوف من الدين و ثنائية التحليل/التحريم, لَوَجَدْنا في دواخلنا ألف سؤال و سؤال… نخشى طرحه كي لا نخرج عن دائرة المثالية, فلا جرأة لدينا للتشكيك بالعقائد أو التقليل من مصداقيتها, لذا نحن لا نملك الشجاعة في طرح التساؤلات و لا نقوى على كشفها أو البحث عن إجاباتها… جرأة جريئة يمتلك المعري حتى أصبح من الشائع عنه أنه ملحد أو مشكك بوجود الله (هذا رأي بعض الفلاسفة الذين نظروا إلى فلسفته بطريقة ملتصقة بالالحاد و الكفر في حين أن البعض الآخر أكدوا على وجود إيمان خالص عنده و تعلقه في حبه لله).
إن منهج الشك هذا عند أبي العلاء المعري لم يتعرض له الدين فقط بل تعرض له كل شيء دون استثناء (الادب شعرًا و نثرًا, الدين, الطبيعة, التراث الانساني…). و كي نفهم أكثر هذا المنهج يجب أن نعود إلى فلسفته, إلى تركيبته النفسية و الفكرية:
. يجب أن نعي أولًا أن المعري كان يقدس العقل و هذا ظهر في بعض مقولاته و كان يدعو إلى العقلانية. فقد نصح القراء في “رسالة الغفران” باتباع العقل دائمًا. و هذا لا ينفي عن الرجل إيمانه بالله, فقد قال ” اِعْقَلْ كي تؤمنْ” و هذا دليل أن قيمة الايمان عنده كقيمة العقل, كلاهما خطّان متوازيان لا يتم الايمان إلا بإتمام العقل, بعكس ما قال بعض الفلاسفة ” آمن كي تعقل”, و الفرق أن المعري اتخذ العقل وسيلة للإيمان و ليس العكس.
و رغم حديثه عن العقل و الايمان, فقد كان المعري يتفوه بأقوال تتعارض مع أقوال أخرى قالها سابقًا. لذا فنحن نجد بعض الفلاسفة و العلماء في موضع الحيرة التامة, يتساءلون ” أين يقف المعري تمامًا؟”.

. كان المعري ينظر إلى الموت كحقيقة مطلقة. كما ينظر إلى الحياة على أنها فُرِضَت على الانسان فرضًا دون استشارته. معتبرًا أن الروح البشرية يجب أن تكون متحررة في حين أنها في الواقع مسجونة بالجسد مُكرهةً. نجد لديه بغضًا للحياة و رفضًا لفكرة وجوده دون الاخذ برأيه (” تعبٌ كلها الحياة فما أعجب من راغبٍ في ازدياد”)… لذا فقد نقم على جسده هذا و عاش حياة الزهاد و المتصوفين فامتنع عن الزواج و النسل معتبرًا ذلك من هموم الحياة الكبرى, حتى أنه كان قاسيًا على جسده في نظام غذائه فامتنع عن تناول اللحومات كافة…

. نظرته سوداوية و فيها من التشاؤم ما فيها… ربما يعود ذلك إلى نشأته القاسية التي ألقت بكل عبئها و ثقلها عليه فأهلكته. فقد كان مؤمن بسوء القدر و بشاعته و كان دائم الشك بطبيعة الانسان معتبرًا أن هذا الانسان يتوغّل دائمًا في وحل الحياة و آلامها. فكان موقفه من الدهر معروفًا و واضحًا في كتاباته, تلك الكتابات التي نجد فيها كرهه للحياة و ملذاتها و إن كان يتظاهر بالصبر و التجلد لكنه لم يستطع إخفاء غضبه من قدره و ظروفه التي عاشها.

. اعتقاده بالله الخالق كان قويًّا و إيمانه كان فطريًّا. و أن بعض مواقفه ضد الدين و الوجود الانساني لا يدل على غياب إيمانه بربه فمن الممكن أنه كام ضد فكرة الأديان لكنه مع الله الواحد الأحد. كما كان يؤمن بالجبرية و يعي أنه جُبِرَ على وجوده, فلا هو قد اختار ميلاده ولا موته… و اعتقد أن المرء متأرجحُ ما بين أن يكون مسيّرًا أم مخيّر… فلا شيء مطلق بل نسبيّ.

و تتعدّد النقاط حول فلسفته و لا تقتصر على المذكورة أعلاه, حتى نجد أفكاره تسير على الطريق عينه و هذا عائد إلى الشك و الارتياب الذي كان يسيطر عليه و سيطر تاليًا على أفكاره و آرائه…
و أيًّا يكن, و رغم الحيرة التي أوقع فيها المعري العلماء و التساؤلات الجمة التي تركنا تنحبط بها و نحن بصدد دراستنا لفلسفته… يجب الاعتراف بعظمة هذا الفيلسوف و الشاعر العربي الذي أنجبه القرن الرابع الهجري و الذي خاطب الانسانية بعمق فلسفته و ساهم في خلق فكر جديد زلزل الكون من خلاله.
إلا أن السؤال الذي تتعدد إجاباته و تتنوع الفرضيات المتعلقة به يتمحور حول المرأة و نظرة المعري لها بشكل خاص: فيلسوف و شاعر كالمعري وقف موقفه الحازم من الحياة و الوجود و تحدث عن الجبرية و الموت و العدم ما كان موقفه من الجنس الآخر؟ هل كا ناقمًا عليها كنقمته على قدره؟ هل كان يجد فيها تعارضًا لطموحاته و خريطة حياته التي رسمها هو لنفسه فحرَّم الزواج عن تلك النفس؟ أم هل اعتبرها جزءًا من المعاناة و الهموم لما سببته له والدته حين فقدها فامتنع عن الزواج و الانجاب كي لا يعرض أطفاله للمعاناة عينها؟

فرضيات كثيرة و احتمالات ليست بالقليلة, قابلة كلها للنقاش و الجدل الطويل كي تتكشّف أمامنا أسباب امتناعه عن الارتباط و الانجاب, و كي تكتمل دائرة الفلسفة التي تميز بها هذا الانسان الذي تفوق بتميزه عن غيره من الفلاسفة…

(الأسوار أم التعايُش ؟(إيزابيللا كاميرا

(الأسوار أم التعايُش ؟(إيزابيللا كاميرا

منايزابيلا كاميرا الصعب أن نتحدّث عن التعايُش وروح التضامن في عصرٍ كالذي نعيش فيه. فلا تكفّ قنوات التليفزيون لدينا عن أن ترسل صوراً للكراهية والتعصُّب، من جميع أنحاء العالم. ولكن في الآونة الأخيرة لم يعد هناك بالنسبة لكثير من الناس في بعض المناطق الجغرافية، سلام ولا أمل في حياة أفضل أبداً. والبابا فرانشيسكو، الذي هو بالتأكيد شخصية جديدة غير معتادة على الكنيسة الكاثوليكية، وربما على العالم كله، يقومن الصعب أن نتحدّث عن التعايُش وروح التضامن في عصرٍ كالذي نعيش فيه. فلا تكفّ قنوات التليفزيون لدينا عن أن ترسل صوراً للكراهية والتعصُّب، من جميع أنحاء العالم. ولكن في الآونة الأخيرة لم يعد هناك بالنسبة لكثير من الناس في بعض المناطق الجغرافية، سلام ولا أمل في حياة أفضل أبداً. والبابا فرانشيسكو، الذي هو بالتأكيد شخصية جديدة غير معتادة على الكنيسة الكاثوليكية، وربما على العالم كله، يقول لنا باستمرار: إن الله لا يحب الأسوار، وأننا يجب ألا نبني أسواراً على الإطلاق. ومع ذلك، فإن الأسوار: لا تفتأ تزيد في كل مكان. في عصرنا، ومنذ سقوط سور برلين حتى اليوم، لم نفعل سوى المشاركة في تشييد مجموعة من الأسوار الأخرى، وكلها أعلى من سور برلين وأكثر حصانة منه. هي أسوار من الخرسانة والحجارة والأسلاك الشائكة، يواكبها للأسف العديد من الأسوار الثّقافيّة التي هي أكثر منعة وأشقّ على التحطيم. المثال الصارخ على هذه الأسوار الشائهة هو ذلك الذي يفصل إسرائيل عن فلسطين التي يزيد امتهانها أكثر وأكثر. لا يقلّ عنه عاراً ذلك السور الذي بنته في أوروبا الحكومة المجرية، لمنع اللاجئين الفارين من النزاعات في الشرق الأوسط جديدها وقديمها، للعبور من ذلك البلد. مجرد عبور فقط. لم يتم السماح لعائلات بأكملها عبور أراضي المجر للذهاب نحو الأمل في حياة أفضل، بعد الكثير من المعاناة والعذابات التي تحملوها في أوطانهم وفي رحلة هروبهم. والمعنى أنه حتى في أوروبا الحرّة، تتزايد الأسوار، وليس فقط أسوار الأسلاك الشائكة، فيكفي أن نرى العديد من المناطق الأوروبية التي تنمو فيها الأحزاب اليمينية والحركات العنصرية وجماعات بث الذعر من الإسلام.. يبدو العالم ماضياً كل يوم في اتجاه التعصُّب والخوف والشك ّ. ورغم هذا تظلّ في عصرنا أيضاً أمثلة على التسامح الكبير وعلى التحضُّر. وفي هذا الصدد أريد أن أتذكر «المعجزة» التي قام بها صديقنا العزيز الأب باولو دالوليو الذي غادر في سِنٍّ مُبكّرة إلى سوريا، التي أصبحت وطنه الجديد، حيث أعاد هيكلة دير مار موسى الحبشي التاريخي، بالقرب من بلدة النبك شمال دمشق، بمساعدة العديد من المتطوعين، ذلك الدير القديم الذي يعود بناؤه إلى القرن الحادي عشر( 1058)، وأسّس فيه جماعة من المسيحيين وغير المسيحيين، وفتحه أمام حوار الأديان والتعايُش السلمي الإنساني والتعاون الثقافي بين الناس. أبونا باولو، كما يدعونه ببساطة كل الناس الذين عرفوه، لا يكلّ أبداً عن الترحيب بأي شخص يستقبله في ذلك الدير ممن يحتاجون إلى السلام والسكينة. فيرحّب بمن يخرج من السجن، والرحالة الذين يسافرون بحثاً عن أنفسهم، وكان يدعو المسلمين والمسيحيين دون تمييز للتجمُّع في هذه الواحة وأداء الصلوات معاً. وعندما تَمّ طرده من سوريا عام 2012 عاد إلى إيطاليا، وطنه الأم، حيث عانى فيها معاناة المهاجرين، فقد أحسّ فيها بالغربة التي تعذّب كل من يقيم في المنفى، لأنه كان إيطالياً بجواز سفره سوري الروح والهوى. وعلى الرغم من كثرة الحديث عنه منذ اختفائه واختطافه في سورية، حيث عاد إليها مرة أخرى في عام 2013، لم يعد أحد يتحدّث عنه اليوم، مما حدا بمجموعة من أصدقائه ومؤيديه، إلى تأسيس جمعية سموها «أصدقاء الأب دالوليو». وتسعى الجمعية لنشر أفكاره الإنسانية العظيمة عن التعايُش، وتُنظّم لقاءات بين شخصيات مسلمة ومسيحية تسعى للحوار. وعقد مؤخراً في روما لقاء بعنوان «مسيحيون ومسلمون من أجل الرحمة»، بمشاركة بعض كبار الشخصيات الإيطالية والعربية. حاول الجميع شرح المعنى الحقيقي للتضامن والتعايُش، على أمل أن تقع هذه الكلمات على آذان ليس بها صمم. فهل من الممكن العيش معاً باسم الحب والتسامح كما كان يعتقد ويحلم أبونا باولو؟ أم أنها مدينة فاضلة يحلم بها بعض الناس الطيبين ؟ أحب أن أعتقد أن كل هذا ليس حلماً، وأن واقعاً مختلفاً قد يكون ممكناً، انطلاقاً من هؤلاء الناس الطيبين الذين لا يتوانون في عالمهم الصغير عن الاعتقاد في التعايُش الاجتماعي والسياسي والثقافي، وأنه لا يصح أن يكون هذا هدفاً نسعى إلى تحقيقه قدر ما هو حقّ للبشرية جمعاء.ل لنا باستمرار: إن الله لا يحب الأسوار، وأننا يجب ألا نبني أسواراً على الإطلاق. ومع ذلك، فإن الأسوار: لا تفتأ تزيد في كل مكان. في عصرنا، ومنذ سقوط سور برلين حتى اليوم، لم من الصعب أن نتحدّث عن التعايُش وروح التضامن في عصرٍ كالذي نعيش فيه. فلا تكفّ قنوات التليفزيون لدينا عن أن ترسل صوراً للكراهية والتعصُّب، من جميع أنحاء العالم. ولكن في الآونة الأخيرة لم يعد هناك بالنسبة لكثير من الناس في بعض المناطق الجغرافية، سلام ولا أمل في حياة أفضل أبداً. والبابا فرانشيسكو، الذي هو بالتأكيد شخصية جديدة غير معتادة على الكنيسة الكاثوليكية، وربما على العالم كله، يقول لنا باستمرار: إن الله لا يحب الأسوار، وأننا يجب ألا نبني أسواراً على الإطلاق. ومع ذلك، فإن الأسوار: لا تفتأ تزيد في كل مكان. في عصرنا، ومنذ سقوط سور برلين حتى اليوم، لم نفعل سوى المشاركة في تشييد مجموعة من الأسوار الأخرى، وكلها أعلى من سور برلين وأكثر حصانة منه. هي أسوار من الخرسانة والحجارة والأسلاك الشائكة، يواكبها للأسف العديد من الأسوار الثّقافيّة التي هي أكثر منعة وأشقّ على التحطيم. المثال الصارخ على هذه الأسوار الشائهة هو ذلك الذي يفصل إسرائيل عن فلسطين التي يزيد امتهانها أكثر وأكثر. لا يقلّ عنه عاراً ذلك السور الذي بنته في أوروبا الحكومة المجرية، لمنع اللاجئين الفارين من النزاعات في الشرق الأوسط جديدها وقديمها، للعبور من ذلك البلد. مجرد عبور فقط. لم يتم السماح لعائلات بأكملها عبور أراضي المجر للذهاب نحو الأمل في حياة أفضل، بعد الكثير من المعاناة والعذابات التي تحملوها في أوطانهم وفي رحلة هروبهم. والمعنى أنه حتى في أوروبا الحرّة، تتزايد الأسوار، وليس فقط أسوار الأسلاك الشائكة، فيكفي أن نرى العديد من المناطق الأوروبية التي تنمو فيها الأحزاب اليمينية والحركات العنصرية وجماعات بث الذعر من الإسلام.. يبدو العالم ماضياً كل يوم في اتجاه التعصُّب والخوف والشك ّ. ورغم هذا تظلّ في عصرنا أيضاً أمثلة على التسامح الكبير وعلى التحضُّر. وفي هذا الصدد أريد أن أتذكر «المعجزة» التي قام بها صديقنا العزيز الأب باولو دالوليو الذي غادر في سِنٍّ مُبكّرة إلى سوريا، التي أصبحت وطنه الجديد، حيث أعاد هيكلة دير مار موسى الحبشي التاريخي، بالقرب من بلدة النبك شمال دمشق، بمساعدة العديد من المتطوعين، ذلك الدير القديم الذي يعود بناؤه إلى القرن الحادي عشر( 1058)، وأسّس فيه جماعة من المسيحيين وغير المسيحيين، وفتحه أمام حوار الأديان والتعايُش السلمي الإنساني والتعاون الثقافي بين الناس. أبونا باولو، كما يدعونه ببساطة كل الناس الذين عرفوه، لا يكلّ أبداً عن الترحيب بأي شخص يستقبله في ذلك الدير ممن يحتاجون إلى السلام والسكينة. فيرحّب بمن يخرج من السجن، والرحالة الذين يسافرون بحثاً عن أنفسهم، وكان يدعو المسلمين والمسيحيين دون تمييز للتجمُّع في هذه الواحة وأداء الصلوات معاً. وعندما تَمّ طرده من سوريا عام 2012 عاد إلى إيطاليا، وطنه الأم، حيث عانى فيها معاناة المهاجرين، فقد أحسّ فيها بالغربة التي تعذّب كل من يقيم في المنفى، لأنه كان إيطالياً بجواز سفره سوري الروح والهوى. وعلى الرغم من كثرة الحديث عنه منذ اختفائه واختطافه في سورية، حيث عاد إليها مرة أخرى في عام 2013، لم يعد أحد يتحدّث عنه اليوم، مما حدا بمجموعة من أصدقائه ومؤيديه، إلى تأسيس جمعية سموها «أصدقاء الأب دالوليو». وتسعى الجمعية لنشر أفكاره الإنسانية العظيمة عن التعايُش، وتُنظّم لقاءات بين شخصيات مسلمة ومسيحية تسعى للحوار. وعقد مؤخراً في روما لقاء بعنوان «مسيحيون ومسلمون من أجل الرحمة»، بمشاركة بعض كبار الشخصيات الإيطالية والعربية. حاول الجميع شرح المعنى الحقيقي للتضامن والتعايُش، على أمل أن تقع هذه الكلمات على آذان ليس بها صمم. فهل من الممكن العيش معاً باسم الحب والتسامح كما كان يعتقد ويحلم أبونا باولو؟ أم أنها مدينة فاضلة يحلم بها بعض الناس الطيبين ؟ أحب أن أعتقد أن كل هذا ليس حلماً، وأن واقعاً مختلفاً قد يكون ممكناً، انطلاقاً من هؤلاء الناس الطيبين الذين لا يتوانون في عالمهم الصغير عن الاعتقاد في التعايُش الاجتماعي والسياسي والثقافي، وأنه لا يصح أن يكون هذا هدفاً نسعى إلى تحقيقه قدر ما هو حقّ للبشرية جمعاء.نفعل سوى المشاركة في تشييد مجموعة من الأسوار الأخرى، وكلها أعلى من سور برلين وأكثر حصانة منه. هي أسوار من الخرسانة والحجارة والأسلاك الشائكة، يواكبها للأسف العديد من الأسوار الثّقافيّة التي هي أكثر منعة وأشقّ على التحطيم. المثال الصارخ على هذه الأسوار الشائهة هو ذلك الذي يفصل إسرائيل عن فلسطين التي يزيد امتهانها أكثر وأكثر. لا يقلّ عنه عاراً ذلك السور الذي بنته في أوروبا الحكومة المجرية، لمنع اللاجئين الفارين من النزاعات في الشرق الأوسط جديدها وقديمها، للعبور من ذلك البلد. مجرد عبور فقط. لم يتم السماح لعائلات بأكملها عبور أراضي المجر للذهاب نحو الأمل في حياة أفضل، بعد الكثير من المعاناة والعذابات التي تحملوها في أوطانهم وفي رحلة هروبهم. والمعنى أنه حتى في أوروبا الحرّة، تتزايد الأسوار، وليس فقط أسوار الأسلاك الشائكة، فيكفي أن نرى العديد من المناطق الأوروبية التي تنمو فيها الأحزاب اليمينية والحركات العنصرية وجماعات بث الذعر من الإسلام.. يبدو العالم ماضياً كل يوم في اتجاه التعصُّب والخوف والشك ّ. ورغم هذا تظلّ في عصرنا أيضاً أمثلة على التسامح الكبير وعلى التحضُّر. وفي هذا الصدد أريد أن أتذكر «المعجزة» التي قام بها صديقنا العزيز الأب باولو دالوليو الذي غادر في سِنٍّ مُبكّرة إلى سوريا، التي أصبحت وطنه الجديد، حيث أعاد هيكلة دير مار موسى الحبشي التاريخي، بالقرب من بلدة النبك شمال دمشق، بمساعدة العديد من المتطوعين، ذلك الدير القديم الذي يعود بناؤه إلى القرن الحادي عشر( 1058)، وأسّس فيه جماعة من المسيحيين وغير المسيحيين، وفتحه أمام حوار الأديان والتعايُش السلمي الإنساني والتعاون الثقافي بين الناس. أبونا باولو، كما يدعونه ببساطة كل الناس الذين عرفوه، لا يكلّ أبداً عن الترحيب بأي شخص يستقبله في ذلك الدير ممن يحتاجون إلى السلام والسكينة. فيرحّب بمن يخرج من السجن، والرحالة الذين يسافرون بحثاً عن أنفسهم، وكان يدعو المسلمين والمسيحيين دون تمييز للتجمُّع في هذه الواحة وأداء الصلوات معاً. وعندما تَمّ طرده من سوريا عام 2012 عاد إلى إيطاليا، وطنه الأم، حيث عانى فيها معاناة المهاجرين، فقد أحسّ فيها بالغربة التي تعذّب كل من يقيم في المنفى، لأنه كان إيطالياً بجواز سفره سوري الروح والهوى. وعلى الرغم من كثرة الحديث عنه منذ اختفائه واختطافه في سورية، حيث عاد إليها مرة أخرى في عام 2013، لم يعد أحد يتحدّث عنه اليوم، مما حدا بمجموعة من أصدقائه ومؤيديه، إلى تأسيس جمعية سموها «أصدقاء الأب دالوليو». وتسعى الجمعية لنشر أفكاره الإنسانية العظيمة عن التعايُش، وتُنظّم لقاءات بين شخصيات مسلمة ومسيحية تسعى للحوار. وعقد مؤخراً في روما لقاء بعنوان «مسيحيون ومسلمون من أجل الرحمة»، بمشاركة بعض كبار الشخصيات الإيطالية والعربية. حاول الجميع شرح المعنى الحقيقي للتضامن والتعايُش، على أمل أن تقع هذه الكلمات على آذان ليس بها صمم. فهل من الممكن العيش معاً باسم الحب والتسامح كما كان يعتقد ويحلم أبونا باولو؟ أم أنها مدينة فاضلة يحلم بها بعض الناس الطيبين ؟ أحب أن أعتقد أن كل هذا ليس حلماً، وأن واقعاً مختلفاً قد يكون ممكناً، انطلاقاً من هؤلاء الناس الطيبين الذين لا يتوانون في عالمهم الصغير عن الاعتقاد في التعايُش الاجتماعي والسياسي والثقافي، وأنه لا يصح أن يكون هذا هدفاً نسعى إلى تحقيقه قدر ما هو حقّ للبشرية جمعاء.