العناد الفنى بين العندليب و الموسيقار

المطرب، أي مطرب، في الغناء، ومعه فرقته االموسيقية التي ترافقه بعزف صاخب لا يتمكن معه المستمع من فهم الكلام الذي يغنيه المطرب، ولا تُبيّن ما إذا كان صوته جميلاً أم لا، ويروح يغني ويغني والناس مشغولون عنه بالتحدث مع بعضهم، أو بتناول الطعام، وحتى عندما ينتهي من الأغنية فإن أحداً لا يصفق له، فيضطر هو الى طلب التصفيق، ويظل يردد عبارات أصبحت متداولة بين جميع مطربي الجيل الجديد: «صقفوا له» أو «صقفة كبيرة قوي» أو «صقفوا معايا» أو « حنغني مع بعض»!.
ولكن الحال كله يتغير فجأة بمجرد أن يغني المطرب، أي مطرب، أغنية ما للعندليب الراحل عبد الحليم حافظ فإن الساهرين عندئذٍ يأخذون في الاستماع اليه، والتصفيق له، والغناء معه، ولا يعودون يعملون حساباً لجمال صوته، أو حلاوة مظهره، أو نسبة الصخب في موسيقاه، وهكذا تأكد النجاح بالنسبة لجيل المطربين الشبان!. وفي الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور أيضاً، فإنني أعود من جديد الى أوراقي القديمة لأستلهم منها بعض الذكريات عن العندليب الأسمر ولكي أقوم أيضاً بـ« مسح» الأضرار التي أصيب بها الغناء العربي منذ رحيله، وأبرز هذه الأضرار هو ظهور هذا العدد الضخم من المطربين ليس في مصر وحدها، بل وفي العديد من الأقطار العربية، وهو ما لم يكن ممكناً في وجوده، إلا للمطربين الذين يملكون حلاوة الصوت والأداء فعلاً وكان منهم عادل مامون و محرم فؤاد و ماهر العطار واحمد سامى عبد اللطيف التلبانى !.
وكانت اول مره يسمع فيها الموسيقار محمد عبد الوهاب لصوت عبد الحليم حافظ عام 1953 فى حفل و سهره اقامها اكرم العجه فى قصره بجاردن سيتى وكان صاحب الدعوة قد قال للموسيقار إنه يريد أن يسمع و يتعرف على مطرب جديد فجامله وحضر تلك السهره و بعد نهاية السهره قال عنه الموسيقار – هو شجي الصوت، ويتمتع بميزة سوف تفتح أمامه أبواب النجاح.وتلك الميزه هى .لديه ثقة كبيرة بنفسه، لقد كنت أتوقع أن يتهيّب الغناء أمامي، ولكنه احتضن عوده، وغنى أمامي وهو هادئ الأعصاب، وحتى عندما غنى إحدى أغنياتي، فإنه غناها بطريقته الخاصة وليس بطريقتي، وفضلاً عن ذلك فإنني لاحظت بأنه على قدر كبير من الذكاء والثقافة بالرغم من أنه لم يؤت من العلم إلا قليلا!. و تمر الايام ويوقع معه الموسيقار عقدا بفلمين و انه فى انتظار ان يسمع الحانه غيره على لسانه – وتلك هى عقيدة الموسيقار لايحب المغامره و يلعب على المضمون
– ويقول عبد الحليم بالرغم من أن ظهوري في فيلم من إنتاج الموسيقار محمد عبد الوهاب هو بالنسبة لي حلم بعيد المنال، إلا أنني سأحاول أن يكون لي بداية سينمائية في فيلم آخر، فإن محمد عبد الوهاب لا يغامر، إنه غامر من قبل بتقديم المطرب جلال حرب في بطولة فيلم الحب الاول ، وقدّم أيضاً ابن شقيقه سعد عبد الوهاب في بطولة عدة أفلام، ولم يحقق أي منهما النجاح الذي كان يتوقعه محمد عبد الوهاب. وكان العندليب لديه امل ان يحظى بالحان الموسيقار وتلك الامل يجعله ينسى ما حدث له عندما فسخ متعهد حفلات في الاسكندرية عقده معه لأنه أراد أن يغني في الحفلات المتعاقد عليها، أغنياته الخاصة، وليس أغنيات الموسيقار محمد عبد الوهاب والتي كان المتعهد يريد أن يغنيها المطرب الذي ما زال مغموراً!. وجاء الوقت الذي تحقّق فيه لعبد الحليم حافظ ما توقّعه من نجاح لنفسه، فإن أغنيته الشهيرة « صافيني مرة » التي لحّنها له الموسيقار محمد الموجى ، وأغنية «على قد الشوق» التي لحّنها صديقه الثاني كمال الطويل ، أحدثتا دوياً في عالم الغناء، وأصبحتا على ألسنة الجماهير في العالم العربي، وفي أقل من شهرين أصبح هو المطرب الأشهر في العالم العربي، وعلى طول بادر المخرج ابراهيم عمارة الى التعاقد معه على الـفور كبطل أول لفيلم « لحن الوفاء »، وكانت شريكته في البطولة النجمة المطربة شادية، و و غنوا من الحان رياض السنباطى وبعده على طول اشترك عبد الحليم مع النجمة الكبيرة فاتن حمامة، والنجمين عمر الشريف وأحمد رمزي في تمثيل فيلم « أيامنا الحلوة »، و الذى تاخر عرضه حيث عرض لحن الوفاء فى 3 مارس 1955 و ايامنا الحلوه بعده فى 7 مارس وهكذا أصبح عبد الحليم حافظ نجماً، وانهالت عليه العقود السينمائية وأخذ أجره عن الفيلم الواحد يرتفع ويرتفع الى أن وصل الى الأرقام التي لم تكن تدفع إلا للنجوم الكبار!.وبعد نجاح الفيلم الثاني «أيامنا الحلوة» كاد أن يحدث خلاف كبير بين الموسيقار محمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ.
إن شركة أفلام الموسيقار طلبت من العندليب الأسمر أن يبدأ العمل في الفيلم الذي كان قد تعاقد عليه معها وتقاضى أيضاً عربوناً عن أجره فيه..وتردّد عبد الحليم..وقال له مستشاروه الذين كان عددهم قد بدأ يتكاثر: ازاي تاخذ خمسة آلاف جنيه من كل الشركات عن الفيلم، وتوافق على العمل في فيلم محمد عبد الوهاب بخمسمائة جنيه!.وظل عبد الحليم لا يبدي أي رأي..
وظل الأخذ والرد مستمراً حول موضوع الفيلم بين شركة عبد الوهاب، ومحامي عبد الحليم، الى أن أراد عبد الوهاب حسمه، فاتصل بنفسه بعبد الحليم وقال له:عاوز كام يا حبيبي يكون أجرك عن الفيلم؟ فرد العندليب الأسمر الذكي، بهدوء: – زي ما هو مكتوب في العقد، يعني خمسمائة جنيه!.ولم يصدّق الموسيقار الكبير ما سمعه، فراح يمتدح العندليب الأسمر «اللي كلمته كلمة» وتعهد له بأن تكون أغاني الفيلم كلها من تلحينه!! وعندما وضع عبد الحليم السماعة، فإن الأسئلة انهالت عليه من مستشاريه: ازاي تقبل؟ ايه اللي خلاك تضعف؟ وهنا قال لهم بهدوء:
– افهموا يا أساتذة، أنا طبعاً من مصلحتي أن يرتبط اسمي بإسم الأستاذ محمد عبد الوهاب، وده بيعمل لي وزن فني أكبر عند الناس، ويجعلني مميّزاً عن بقية المطربين، ولو أردت أن أغني من ألحانه، فكم سيكلفني أي لحن آخذه منه فيما لو وافق على أن يلحن لي..فقال أحدهم: على الأقل لحن الأستاذ محمد عبد الوهاب ثمنه ثلاثة آلاف جنيه..
فابتسم العندليب عندئذٍ وقال لهم:- إذن ايه رأيكم ان الموسيقار سيلحن لي مجاناً أربعة ألحان على الأقل لأغنيها في الفيلم!. وصفّق الجميع عندئذٍ إعجاباً بذكاء عبد الحليم حافظ وحساباته الدقيقة والناجحة!. ومثّل العندليب لحساب شركة عبد الوهاب فيلم «ايام وليالى من اخراج هنرى بركات و غنى 5 الحان توبه – ايه ذنبى ايه – علشانك يا قمر – انا لك على طول – شغلونى » من إخراج هنري بركات وبطولة ايمان و احمد رمزى و الوجه الجديد سهير البارونى و عقيله راتب و عدلى كاسب و ثريا فخرى و سراج منير و كمال حسين و الراقصه زينات علوى وكان العرض بدار سينما راديو بالاسكندريه فى 12 ديسمبر 1955 وكان العمل الثانى من انتاج و الحان محمد عبد الوهاب فيلم بنات اليوم ومن اخراج هنرى بركات وايضا شارك فى الانتاج و كانت البطوله ماجده و احمد رمزى و امال فريد و سراج منير و ثريا فخرى و فتحيه شاهين و كريمان و الطفله نوال و غنى العندليب و من نظم حسين السيد ظلموه – عقبالك يوم ميلادك – اهواك – كنت فين – ياقلبى ياخالى وكان العرض 20 يناير 1957 بدار سينما كوزمو بالاسكندريه – وذكاء عبد الحليم حافظ هو الذي جعله يبحث عن ارتباط أكبر وأطول مع الموسيقار محمد عبد الوهاب، وخصوصاً بعدما أصبح رفيقاً دائماً له في سهراته وحفلاته ورحلاته، واستفاد العندليب من هذا الالتصاق بالموسيقار بأن دخل عن طريق الموسيقار الى كل المجتمعات الراقية، وكذلك استفاد الموسيقار منه بأن وجد فيه الحنجرة الشجية والمحبوبة من الجماهير التي يرسل ألحانه عن طريقها، وخصوصاً بعدما أصبح هو مُقِلا في الغناء..وتمكن عبد الحليم حافظ من العثور على الإرتباط الدائم…
وكان هذا الارتباط هو شركة «صوت الفن» للصوتيات التي أسّسها مع محمد عبد الوهاب، ومع صديق الطرفين المحامي مجدي العمروسي، وشركة «صوت الفن» للإنتاج والتوزيع السينمائي، والتي انضم اليها مع الثلاثة مدير التصوير السينمائي الحاج وحيد فريد.!.ولكن، وبعد عدة سنوات، وقع خلاف بين العندليب والموسيقار كاد أن يوصل الشركة الى الانهيار، ذلك أن عقد تأسيس «صوت الفن» احتوى على مادة تلزم العندليب بأن يسجل أغانيه كلها على أسطوانات وأشرطة الشركة، كما تلزم الموسيقار بأن تكون ألحانه، سواء مسجلة بصوته أو بأصوات غيره، ملكاً لشركة «صوت الفن» وحدها!. ولكن، وفي عام 1962، كان هناك لقاء القمة الذي انتظره الملايين عبر السنين بين صوت كوكب الشرق أم كلثوم وألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب، ولأن الموسيقار كان يهمه أن يتم هذا اللقاء، فإنه وافق على أن تسجل الأغنية على أسطوانات شركة « صوت القاهرة » التي كانت تحتكر صوت أم كلثوم، وليس على أسطوانات « صوت الفن » التي تحتكر ألحان محمد عبد الوهاب.وغضب عبد الحليم حافظ وتساءل في تصريحات صحفية: كيف يرضى الأستاذ الموسيقار محمد عبد الوهاب أن يتحوّل الى مجرد ملحن، وأن تفرض عليه شروط من قبل أم كلثوم؟ ثم كيف نسي أن ارتباطه بشركة « صوت الفن » يمنعه من أن يسجل ألحانه في أية شركة ثانية!..وعبد الحليم حافظ كان يومها لا يريد حماية حقوق «صوت الفن» وإنما أن يردّ أيضاً التحية بمثلها لأم كلثوم التي كانت قد أخذت تهاجمه في مجالسها الخاصة، وأمام كبار المسؤولين، وأصبحت تشترط لاشتراكها بالغناء في أية حفلة تجارية أو قومية أن لا يكون فيها عبد الحليم حافظ!.
ولكن، ما هو السبب؟!.إن الذي كان قد حدث قبل ذلك بعامين هو أن الثلاثة الكبار: محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، كانوا قد اشتركوا في حفل أقيم في نادي الضباط بمناسبة عيد الثورة التاسع، ولكان المتفق عليه أن يقدّم محمد عبد الوهاب استعراض و نشيد «صوت الجماهير»، ثم يغني عبد الحليم حافظ، ثم تختم الحفلة بغناء أم كلثوم، وكل ذلك أمام الرئيس جمال عبد الناصر، وكبار المسؤولين..ولكن عبد الحليم حافظ فوجئ بأن تعديلاً قد أدخل على البرنامج بحيث يصبح هو الأخير الذي يختم الحفل الساهر الكبير!.وقدّم محمد عبد الوهاب و شاديه و صباح و عبد الحليم حافظ وفايده كامل النشيد ..وغنت أم كلثوم..وعندما جاء دور عبد الحليم حافظ، دخل الى المسرح، وقبل أن يبدأ الغناء ألقى كلمة قصيرة قال فيها:
– الأستاذ محمد عبد الوهاب، والست أم كلثوم، عملوا فيّ مقلب، وخلوني أغني بعدهم، ومش عارف إذا كان فيه حد حيسمعني بعدهم ! و بالطبع كان في كلمة عبد الحليم حافظ شيء من الاحتجاج ، ولكن دون الاقلال من عظمة أي من العملاقين، غير أن أم كلثوم غضبت وقالت: ازاي الولد ده يقول اني تآمرت عليه!.وانقطعت العلاقات الشخصية والفنية منذ تلك الاحتفال بين أم كلثوم، وبين عبد الحليم حافظ، ولكن الموسيقار محمد عبد الوهاب لم يقطع خيط العمل والصداقة مع العندليب، وتمكّن من إقناعه بأن لقاءات القمة بينه وبين أم كلثوم لا بد وأن تكون فوق الاتفاقات والعقود، لأنها ستكون في النهاية تراثاً تتناقله الأجيال!. وبعد أن مرت الأزمة بسلام لم تحدث أية خلافات بين الموسيقار والعندليب، بل كان التقارب بينهما يزداد يوماً بعد يوم، وكان أجمل لقاء فني سيتم بينهما في أغنية «من غير ليه» التي أخذها عبد الحليم حافظ معه الى المستشفى في لندن، وحفظها وهو على سرير المرض، ولكن القدر حال بينه وبين تسجيلها، وكل شيء كان يتوقعه الموسيقار محمد عبد الوهاب، ما عدا أن تسمع الجماهير منه هو هذه الأغنية بعد أربعة عشر عاماً.
وأن يرحل هو بعد عامين من غنائها..وتبقى حكايات العمالقة الثلاثة: محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، عبد الحليم حافظ خالدة، على مرّ الزمان والى مقاله اخرى – المؤرخ و الباحث فى التراث الفنى وجيــه نــدى

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *