سيد مكاوي

سيّد مكاوي حُرم مِن نعمة البصر، ولكنه وهب نعمة البصيرة. حفظ القرآن الكريم، وتعلم فنّ الإنشاد الديني، ثمّ اتجه إِلى الموسيقى فتعلمها – بإتقان باهر – دون أن يدخل معهد موسيقى. حفظ الأدوار والموشحات ومَا لا يتصوره عقل مِن ألحان وأشعار. حفظ أمهات القصائد الّتي جادت بها قريحة فحول الشعراء العرب، كذلك كلِّ مَا قيل فِي مِصْر مِن أدوار وموشحات مِن بداية القرن العشرين، خاصّة للفنّان سيّد درويش الّذِى يعتبر أبا التجديد فِي الموسيقى العربيّة.. والشّيخ زكريا أحمَد، خير مَنْ حافظ على الطابع الشرقي فِي موسيقاه، هو وآخرون مثل: محَمّد القصبجي وداود حسني. 

هُو امتداد للرَّاحل العظيم سيّد درويش.. وأحد عمالقة الموسيقى العربيّة وهرم مِن أهراماتها، ألحانه مِن نوع السهل الممتنع أو كأنما مكاوي رسم خفة ظلّه على أوتاره الموسيقيّة فأصبحت ألحانه راسخة عالقة فِي الأذهان على مرَّ الأيّام والسنين. وحينما التقى مع الشّاعر صلاح جاهين صديقه ورفيق دربه، قدما معاً أنجح ثنائي فنيّ، وكان عملهما: “أوبريت الليلة الكبيرة،” مِن أنجح الأعمال. ويُعد هذا العمل الأشهر فِي تاريخ الفنّ المصري والعربي. وتوّج سيّد مكاوي تألقه بعدما غنّت له كوكب الشّرق أم كلثوم: “يا مسهرني،” والّتي كانت ستغني له أيْضاً “أوقاتي بتحلو” ولكنها رحلت فغنتها وردة الجزائريّة.

قال عنه وجيه ندى المُؤرخ والباحث فِي التراث الفني:“موسيقار ومطرب استمد ثقافته الفنيّة مِن التراث الموسيقي العربي والأوبرالي.. ألحانه راقيّة وعذبة، لا يوجد فيها تلك الضوضاء، وليست مِن الألحان الصعبة والضخمة، بل السهلة والسلسة سهولة أغاني الأطفال.. وأعتقد أن هُنا تكمن واحدة مِن عبقرياته.. الألحان السهلة أحس أنها أصعب، وأقرب إِلى القلب. وأغلب ألحانه مِن مقامات شرقيّة بحتة مثل الراست والسيكا الّتي كان يكثر منها، ولذلك صبغت ألحانه بصبغة شرقيّة أصيلة. أَثْرَى المكتبة الموسيقيّة بالألحان لكبار المطربين والمـطربات المصريين والعـرب. واختير عضواً فِي لجنة الاستماع بالإذاعة المصريّة..” 

وَأخِيْراً، وضع سيّد مكاوي المقدمة الموسيقيّة للعديد مِن المسلسلات الإذاعيّة، وكانت هُناك محطتان هامتان فِي أعماله الإذاعيّة، الأولى مع أشعار صلاح جاهين (1930م – 21 أبريل/ نيسان 1986م)، والثانيّة مع الدّيوان الكامل للشّاعر فؤاد حداد (1928م – 1 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1985م). وجاء عَن هاتين المحطتين فِي الموسوعة الحرَّة (ويكيبيديا) مَا يلي: “يجدر التوقف عند هاتين المحطتين الهامتين فِي حياته نظراً لأهميتهما الكبرى، وكان يجب إدخالهما المعاهد الموسيقيّة لاحتوائهما على الكثير مِن بديع موسيقانا الشرقيّة. الأولى: “الرباعيات” الّتي قدمها فِي برنامج في حلقات يوميّة مِن خلال إذاعة “صوت العرب” فِي نهاية ستينيات القرن العشرين، شعر صلاح جاهين، وإخراج أنور عبد العزيز، وقد حققت شهرةً واسعةً وشيوعاً كبيراً ممّا حدا بالمطرب علي الحجار إِلى استئذان سيّد مكاوي فِي إعادة تقديمها؛ وقد وافق سيّد مكاوي وأعيد التسجيل بصوت علي الحجار. المحطّة الثانيّة: برنامج مِن ثلاثين حلقة “نور الخيال وصنع الأجيال،” قدمه مِن خلال “إذاعة البرنامج العام،” فِي شهر رمضان من  العام 1968م، شعر فؤاد حداد، وإخراج فتح الله الصفتي.  وصف الشّاعر القاهرة العظيمة ومَا مر بها مِن أحداث عبر التاريخ، وقام سيّد مكاوي بتلحين الأشعار وقدمها فِي شكل الشّاعر الراوي وقدم خلال الحلقات الثلاثين العديد مِن الأصوات الجديدة والمواهب الشابة آنذاك والّتي شاركته فِي الغناء.  كانت لهذا البرنامج المقدمة الغنائيّة الشهيرة “أوَّل كلامي سلام،” وكانت أغنيّة “الأرض بتتكلم عربي” مِن أشهر أغاني سيّد فِي هذا البرنامج، ويعتبر هذا العمل عملاً ملحمياً مليئا بالتراكيب اللحنيّة الشيقة والمعقدة والمركبة، ومرجعاً هاماً لكافة الملحنين الجدد للاستفادة منه فِي كيفية التسلسل اللحني وحسن النقلات الغنائيّة…”

نال سيّد مكاوي وسام العلوم والفنون مِن الدّرجة الأولى فِي مِصْر، ووسام صدام للفنون مِن الدرجة الأولى فِي العراق، ونال فِي بلاده أيْضاً شهادات تقدير مِن جهات فنيّة عديدة كالإذاعة المصريّة، وإذاعة الإسكندريّة، وشهادات خاصّة فِي مناسبات وأعياد مختلفة كعيد الطفل وعيد المسر.

ولّد سيّد مكاوي يوم 8 مايو/ أيّار 1927م، وانتقل إِلى رحمة ربه يوم 21 أبريل/ نيسان 1997م.  كان فنّاناً عبقرياً ورائعاً بكلِّ المقاييس، وإنْسَاناً نبيلاً قلما يجود الزمان بمثله.

 يحتار الإنْسَان فِي وصف سيّد مكاوي، لكنه أمّة بحالها، ذكاء خارق، موهبة عظيمة، وصل إِلى مَا وصل إليه مِن شهرة دون أن يدخل مدرسة أو معهدا، حفظ القرآن وهُو طفل صغير بعْد أن فقد بصره وهُو فِي حوالى الرَّابعة مِن عمره، وعمل كمنشد ثمّ شق طريقه بموهبته وتعلم الموسيقى وبدأ التلحين ودخل عالم الإذاعة، ولحن مئات الألحان للمطربين والإعلانات والمسلسلات.  وصل إِلى أعلى الهرم حينما لحن لسيدة الغناء أم كلثوم. أحبّ كلِّ النَّاس فأحبه الجميع دون استثناء.  وكان حبه الأكبر لسيّد درويش وزكريا أحمَد فكان يعتبر درويش قمة عاليّة مِن قمم الموسيقى العربيّة ويتفق تماماً مع مَنْ يضعون تراثه مع كنوز التراث العربي كالموشحات والقصائد والأدبيات الكبرى مثل: ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، والبخلاء، ورحلات ابن بطوطة،  وكتب الفارابي وابن سينا والخوارزمي وابن خلدون وغير ذلك مِن الأعمال الخالدة مِن تراثنا.  ويعتبر زكريا أحمَد أحد صناع التراث الموسيقى وواحدا مِن أهمّ عمالقة الموسيقى العربية، وشيخ الملحنين المصريين فِي العصر الحديث. وكان سيّد مكاوي يغني فِي سهراته ولياليه لدرويش وزكريا أكثر ممّا يغنى لنفسه مِن أغاني وألحان.  

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *