مي زيادة الزّهرة الفواحة بقلم وجيه ندى -مجلّة قلم

مي زيادة الزهرة الفواحة بقلم وجيه ندى -مجلّة قلم
ولدت مى أو ماري إلياس زيادة وهذا هو اسمها الحقيقي في مدينة الناصرة بفلسطين عام 1886 لأب لبناني ماروني وأم فلسطينية أرثوذكسية .. واختيارها لاسم مى اختصار لاول حرف واخر حرف من اسمها الاصلى مارى وقضت سنوات عمرها الأولى في مدارس داخلية في لبنان , ثم نزحت مع والدها ووالدتها إلى مصر في عام 1908 .. كان عمرها اثنين وعشرين عاماً .. فتاة في ريعان الشباب .. وظلت في مصر – التي كانت تعتبرها وطنها الأساسي- حتى توفيت في 18 اكتوبر عام 1941 .وكثيراً ما عبرت مى بقلمها عن هذه الغصة وتلك المرارة التي تشعر بها نتيجة لهذه الغربة الدائمة وعدم الانتماء . فكتبت في أحد مقالاتها ذات مرة تقول : ” أين وطني”؟! ولدت في بلد , وأبي من بلد , وأمي من بلد , وسكني في بلد , وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد . فلأي هذه البلدان أنتمي , وعن أي هذه البلدان أدافع؟! وفى عام1913 بدأت خيوط الشهرة تنسج حروف هذا الاسم الذي لم يكن معروفاً بهذا الاتساع والانتشار من قبل . وبدأ الجميع يتساءلون عن هذه الأديبة الشابة .. التي تتمتع بجمال الشكل وجمال الروح .. وروعة العقل وعذوبة الصوت معاً!!. عرفوا أنها جاءت مع والدها المدرس المغمور إلياس زيادة من لبنان وأمها نزهة معمر وهي فلسطينية الجنسية . جاءوا إلى مصر بحثاً عن فرصة عمل في الصحافة كان يبحث عنها الأب .. ورحل إلى مصر مصطحباً عائلته وراء هذا الأمل .كان ذلك عام 1908 .. وكانت مي في ذلك الوقت في الثانية والعشرين من عمرها . شابة مليئة بالحيوية والحماس …. تعشق الكتابة والصحافة , تجيد اللغة الفرنسية إجادة تامة , ثقافتها رفيعة , قرأت لأشهر الكتاب العالميين كما قرأت لابن الفارض والمعري والمتنبي .وبدأت الصغيرة تبحث عن عمل مناسب لإمكاناتها المتميزة .. تستطيع من خلاله أن تساعد والدها في بداية حياته الجديدة في مصر . وكان والدها في ذلك الوقت قد تعرف على إدريس راغب باشا صاحب جريدة المحروسة وعمل معه في الجريدة .. وفي نفس الوقت قامت مي بتدريس اللغة الفرنسية التي تجيدها لابنتي إدريس باشا . .. وبعد فترة منح الباشا جريدة ” المحروسة ” لإلياس زيادة .. تقديراً لهذه الصداقة الغالية واعترافاً بفضل مي في تعليم بناته. وبدأت مي بالكتابة في جريدة المحروسة . واختارت اسم ” يوميات فتاة ” عنواناً لباب ثابت كانت تحرره في ” المحروسة ” . كانت تختار الموضوعات الحية التي يتجادل بشأنها الناس وتدفع بآرائها الحكيمة والجرئية في آن معاً . فارتبط بها القراء , وراحوا يبحثون عن كتاباتها التي كانت تمثل فكراً جديداً في مجتمع مغلق خاصة بالنسبة لنساء عصرها . وبدأت أنظار عمالقة الأدب والفكر في ذلك الوقت تتجه إلى هذه الكاتبة الصغيرة التي أعلنت منذ بداياتها عن موهبة فريدة . تحمس لها أحمد لطفي السيد ويعقوب صروف صاحب مجلتي المقتطف والمقطم , وشجعاها على التزود في دراسة اللغة العربية والخط العربي والقرآن الكريم . وأطاعت التلميذة الصغيرة الأساتذة الكبار .. فقرأت بدأب , وعكفت على دراسة الفلسفة الإسلامية واللغة العربية والتحقت بالجامعة المصرية الأهلية لمدة ثلاث سنوات من عام 1911 حتى 1914 . وأثناء هذه الفترة كتبت مي في العديد من المجلات المعروفة إلى جانب مجلة ” المحروسة ” . كتبت في مجلة “المقتطف” و ” السياسة الأسبوعية ” و ” الهلال ” و ” المرأة الجديدة ” وغيرها . واصبحت صاحبة اول صالون ادبى وكتبت مي في الاهرام مقالات هامة … وبدأت ” مي” إقامة أول صالون ثقافي أدبي دعت إليه بعد الكلمة التي ألقتها في الجامعة المصرية بالنيابة عن جبران خليل جبران في مناسبة تكريم الشاعر خليل مطران بعدها.. وعندما لمست تعلق القلوب والعقول بها أعلنت في تلك الليلة دعوتها لجميع الحضور للاجتماع في بيتها كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع . وكانت هذه اللحظة من ليلة 24 إبريل عام 1913 مولداً لصالون مي وكان المترددون على ندوتها يتحدثون في شتى الموضوعات الفكرية والأدبية . يتكلمون بالعربية أو بغيرها من اللغات الأجنبية , أما مي فكان حديثها دائما باللغة العربية الفصحى . ووصف عباس محمود العقاد الأحاديث التي كانت تدور في ندوة مي بقوله : لو جمعت هذه الأحاديث لتألفت منها مكتبة عصرية تقابل مكتبة ” العقد الفريد ” و ” مكتبة الأغاني ” في الثقافتين الأندلسية والعباسية . ورأى هؤلاء المفكرون في مي الشخصية الفريدة التي جمعت بين الثقافة الرفيعة والأخلاق الفاضلة فازدادوا إيماناً بضرورة تعليم الفتاة وتشجيعها على الثقافة وصقل الذات بالمعرفة . وأطلق عليها أدباء ومفكرو عصرها العديد من الألقاب منها : الأديبة .. النابغة .. فريدة العصر .. ملكة دولة الإلهام .. حلية الزمان .. الدرة اليتيمة .. وكانت مي تؤمن بالحب الصافي , السامي .. العفيف الذي يرتفع عن رغبات الجسد ويسمو إلى عالم الروحانيات وصداقة الفكر. ولم ينصف مي كاتب أو أديب من رجال عصرها ! هذه حقيقة بكل أسف فرغم التتيم والانبهار الذي سيطر عليهم جميعاً بشخصية مي وثقافتها الفريدة .. وروحها الشفافة . إلا أنهم جميعاً رأوها من الخارج .. لم ينفذ أحدهم إلى أعماقها ليقرؤها جيداً .. ويفهمها . ربما لو فعل أحدهم ذلك لأحبها أكثر ..وهذه كانت بداية المحنة الكبيرة التي عاشتها مي في الفصل الأخير من حياتها المعذبة . محنة أن يشعر إنسان معجون بالإحساس بزيف المشاعر أو سطحيتها . إنه شعور يلسع الروح , ويوجع القلب المرهف . كان الناس يظنونها سعيدة وهي في قمة المجد والشهرة بينما هي تناجي نفسها وحيدة تقول : أي شمس تغيب فيك أيتها الفتاة , ولماذا يشجيك المساء لتغشى عينيك هذه الكآبة الربداء ؟ لقد انتعشت جميع الأشياء , أما أنت فتلوبين جائعة عطشى , وراء الملل والسآمة وهيج فيك واحتدام ! ومن اكثر الشخصيات التى كانت مى ترتبطها بهم صداقة وحميمية الاديب والشاعر جبران خليل جبران وكان بينهم بعض الرسائل التى نشرت واعتبرت من اروع واجمل النصوص الادبية وكانت العلاقة بينهم يسموها الاخرين بالحب السماوى لانهم بالرغم من بعد المسافات بينهم ولكن يبقى بينهم الوصال الدائم والتواصل على مرور السنوات ولكن دون لقاء وحيد بينهم وتوالت النكبات على مى فبعد وفاة والدها توفى جبران الصديق والرفيق وبعد وفاة جبران توفت والدتها واصبحت مى وحيدة تعيسة .. وعانت الكثير بعد وفاة والدها عام 1929) ووالدتها عام 1932 (وقضت بعض الوقت في مستشفى للأمراض النفسية وذلك بعد وفاة الشاعر جبران خليل جبران فأرسلها أصحابها إلى لبنان حيث يسكن ذويها فأساؤا إليها وأدخلوها إلى «مستشفى الأمراض العقلية» مدة تسعة أشهر وحجروا عليها فاحتجّت الصحف اللبنانية وبعض الكتاب والصحفيون بعنف على السلوك السيء لأقاربها، فنقلت إلى مستشفى خاص في بيروت ثم خرجت إلى بيت مستأجر حتى عادت لها عافيتها وأقامت عند الأديب أمين الريحاني) عدة أشهر ثم عادت إلى مصر (. وعاشت صقيع الوحدة وبرودة هذا الفراغ الهائل الذي تركه لها من كانوا السند الحقيقي لها في الدنيا. وحاولت أن تسكب أحزانها على أوراقها وبين كتبها. فلم يشفها ذلك من آلام الفقد الرهيب لكل أحبابها دفعة واحدة. فسافرت عام 1932 إلى إنجلترا أملاً في أن تغيّر المكان والجو الذي تعيش فيه ربما يخفف قليلاً من آلامها. لكن حتى السفر لم يكن الدواء. فقد عادت إلى مصر (ثم سافرت مرة ثانية إلى إيطاليا) لتتابع محاضرات في «جامعة بروجيه» سافرت مرة أخرى إلى روما ثم عادت إلى مصر (حيث استسلمت لأحزانها. ورفعت الراية البيضاء لتعلن أنها في حالة نفسية صعبة. وأنها في حاجة إلى من يقف جانبها ويسندها حتى تتماسك من جديد. توفيت التي كانت الزهرة الفواحة في روضة الأدب العربي الحديث في مستشفى المعادي بالقاهرة عن عمر 55 عاماً. وقالت هدى شعراوي في تأبينها «كانت مي المثل الأعلى للفتاة الشرقية الراقية المثقفة». وكُتبت في رثائها مقالات كثيرة بينها مقالة لأمين الريحاني نشرت في «جريدة المكشوف» اللبنانية عنوانها «انطفأت مي».من اشهر أعمالها كتاب المساواة – باحثة البادية – سوانح فتاة – الصحائف كلمات وأشارات – غاية الحياة – رجوع الموجة – بين الجزر والمد – الحب في العذاب – ابتسامات ودموع – ظلمات وأشعة – وردة اليازجي – عائشة تيمور – نعم ديوان الحب – موت كناري وغيرهم – رحمها الله واسكنها فسيح جناته \ بحث و تحرير فنى وجيــه نــدى

وجيه ندى-مجلّة قلم

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *