دراسات و مقالات

هل كان جبران يعيش الحداثة قبل وجودها؟بقلم فاطمة منصور

هل كان جبران يعيش الحداثة قبل وجودها؟بقلم فاطمة منصور

 هل كان جبران يعيش الحداثة قبل وجودها؟

 

يبدو ان ثورة جبران على الواقع الذي يعيشه والتغيير الذي اراده هو من اوجد الحداثة لاعتراضه ان الماضي غير موجود وبات افتراضي…المستقبل والاجيال القادمة ستفرض الاجمل وتحدثه. المستقبل لديه يقترب من حرية الغرب و شعرية النثر و كمالية الإنسان و رقي المجتمع بعيداً عن افرازات الماضي و تقاليد الإعراف و سلطة الوزن

 علينا التوقّف عنده وإمعان النظر في جملة من المسائل الأدبيّة والآراء النقديّة التي شغلت النقاد والدارسين لعقود خلت نظرًا لارتباطها بمفهوم الحداثة وما أثاره من جدل في الأوساط النقديّة المعاصرة. ان الحداثة الجبرانيّة عرض تمهيديّ لجدليّة الصراع بين القديم والحديث في الشعر والنقد العربيّين في العصر العبّاسيّ منذ ظهور بوادر التجديد وملامحه في شعر بشّار بن برد وأبي نوّاس وما أثارت هذه البوادر من ردات فعل في أوساط الشعراء والنقّاد المحافظين المتمسّكين بعمودية القصيدة القديمة التي رسّخها القدماء والتي بيّن “المرزوقي” أركانها التي قامت عليها، في الوقت الذي انبرى فيه بعض النقاد يدافعون عن الجديد ويدعون إليه، كعبد القاهر الجرجاني وغيره من النقّاد العرب القدامى. وقد أدى هذا الصراع إلى اتساع دائرة الجديد واحتلاله الصدارة في الاهتمامات الأدبيّة والنقديّة. وكان هذا الجديد قد ترسّخت معالمه واتضحت آياته مع أبي تمّام، في ما أحدثه من جديد مضمونيّ قائم على الفكر وجديد أسلوبيّ قائم على البراعة في استخدام المحسّنات البديعيّة ولا سيّما الطباق والمقابلة

     وبعد ذلك  جدليّة الصراع بين القديم والحديث في عصر النهضة مرورا بخليل مطران وجماعة أبولو في مصر، في الوقت الذي لا يغفل فيه دور الشعر المهجري وما حمله من جديد

اما الرؤيا الجبرانيّة، وتتضمّن  حداثة الموقف وحداثة التعبير. ان المفاهيم الجبرانيّة تتناول المرأة والدين والثورة والجنون والنبوّة والفنّ. وجبران يطّل، من خلال هذه المفاهيم، على العالم وعلى الكون والمجتمع معبّرّا عما يختزنه فكره، وعما تكنّه نفسه من الآراء والأفكار والمواقف التي يخالف في الكثير منها ما عهدناه عند أسلافه، بل عند معاصريه. ولعلّ هذا الاختلاف في الرؤيا هو ما يضفي عليها صفة الحداثة. أو ليست الحداثة  اختلافًا وخروجًا على المألوف وعلى ما كرّسته التقاليد الشعرية ؟

     أما  “حداثة التعبير”عند جبران فيه يسلّط  الضوء على ما حمله الأسلوب الجبرانيّ من حداثة في التعبير، انطلاقًا من اللغة الحيّة البسيطة المقتطفة من أفواه الناس، مرورًا بالصورة الجبرانيّة اللصيقة بنفسه وخياله. والرمز الجبرانيّ الذي استخدمه على مستوى اللفظة والعبارة والصورة،بل على مستوى الحكاية بأكملها. تری سلمی خضراء الجيوسي بأن صور جبران خليل جبران رمزية قائلة« كثيراً ماتكون صور جبران رمزية موغلة. و الواقع أن رموز جبران، أهمها الغابة و البحر و الليل، كانت تمهيداً لرمزية بعض شعراء الخمسينيات و الستينيات أكثر ماكانت تمهيداً لرمزية شعراء مثل سعيد عقل الذي ازدهر شعره في الثلاثينيات و الأربعينيات، و الذي كان من اتباع الرمزية الفرنسية في القرن التاسع عشر»(الجيوسي،2007، ص143)

      إن الحداثة الجبرانيّة لم تخلق من عدم، وإنّما هي امتداد ونمّو لذلك الخطّ الحداثّي القائم في تراثنا الأدبي، والذي ينمو ويمتدّ على مرّ العصور، على الرغم مما يواجهه بين الحقبة والحقبة من ممانعة أو مواجهة يجابهه بها المتمسكّون بالقديم في كلّ عصر

     جبران خليل جبران : ” إبداعيّ، تراثيّ، تجاوزيّ، تلك هي الصفات الثلاث التي يمكن، من خلالها، أن نطلّ عليه ، في مفهومه للحداثة موقفًا وتعبيرًأ. من إبداعات جبران خليل جبران هي الرومانسية بما تحمله من مشاعر و أحاسيس و أسلوب يختلف اختلافاً جذرياً مع الكلاسيكيين. تری الجيوسي بأنّ الرومانسية الجبرانية جاءت من ناحية فنية« تلبية لحاجة أملاها الوضع الشعري نفسه إذ كان قد بدأ يصارع للفكاك من قبضة المدرسة الكلاسيكية المحدثة التي كانت في نهاية العقد الثاني من القرن، قد تقولبت و أصبحت تهدد بالتحجر و الجمود. و من ناحية اجتماعية كانت الرومانسية حاجة كامنة في الروح العربية في كل مكان»(المصدر نفسه،ص131)

من الخصائص المهمة في تطور الرؤية الجبرانية التحرر بمعناه الشمولي. التحرر من اللغة و السلطة و التقاليد و الأهم من ذلك التحرر من الدين.لهذا السبب جسّد جبران خليل جبران السيد المسيح حسب معتقداته الخاصة فمسيح جبران يختلف عن المسيح الحقيقي. يقول حنا الفاخوري:« انكر جبران جميع الديانات، وإن كتب احياناً عن المسيح صفحات رائعة. و يسوع جبران يختلف تماماً عن يسوع الأنجيل؛ فمسيح جبران هو رجل كسائر الرجال، هو شاعر علی مثال جبران، رجل عاطفة و احلام، لافرق عنده بين الخير و الشر و الايمان و الكفر.و قد هزأ جبران بمعتقدات الديانة و جعل مساواة بين الكفر و الإيمان»( الفاخوري،1987، ص 1096)

 

  

   

فاطمة منصور

1-عضو =في اللقاء الادبي العاملي
في لقاء بيت الشعر
في بيت الارز
في الاتحاد العالمي للثقافة والادب
في هيئة تحرير جريدة انباء الساعة
في هيئة تحرير جريدة النبض المصري المستقلة
في هيئة تحرير مجلة الحقيقة العراقية
ممثلة مؤسسة ارض كلكامش للثقافة والاعلام
في هيئة تحرير مجلة حبر ابيض الايرانية الصادرة باللغة العربية
2-نشرت الكثير من قصائدي ومقالاتي في جرائد وصحف عربية
وفي مواقع الكترونية
نالت اكثر نصوصي الترجمة الى اللغة الانكليزي والفرنسي والالماني والاسباني والفارسي والكوردية والامازيغية
تم دراسة ونقد بعض قصائدي من نقاد عرب معروفين
من اصداراتي 1-من وحي القيود
2-امراة من فصيلة الشمس
3-حينما يحلق الفينيق بغيثارة سومرية (مشترك)
4-الابحار بالرغيف (مشترك)للناقد الشاعر علاء الحمد
5-الموسوعة الكبرى للشعراء العرب (مشترك)للسيدة فاطمة بو هراكة
6- حروف وهواجس ( مشترك ) للشاعر عامر الساعدي
7- أنثى على غيمة
ديوان مشترك مترجم للغة الايرانية للدكتور الباحث خالد تميمي –8
ديوان مشترك للاديبة المغربية فاطمة بو هراكة تحت عنوان 100 شاعرة من العالم العربي-9
10- شاركت بالعديد بالامسيات الشعرية وبمهرجان المربد في البصرة
نلت العديد من الشهادات التقديرية
قدمت دراسات بمجاميع عديدة لشعراء وقصصيين –

أيمكنُ للروائي أن يكون غزير الإنتاج؟

أيمكنُ للروائي أن يكون غزير الإنتاج؟

أيمكنُ للروائي أن يكون غزير الإنتاج؟

ستيفن كينغ

ثمّة عديد من الُمسلّمات في النّقد الأدبيّ، لا يتمُّ التحدُّثُ بشأنها: إحداها أنّه كُلّما كان المرءُ كثير الكتابة كان عملُه أقلّ عُرضةً للفت الانتباه.

جويس كارول أوتس، المؤلّفةُ لأكثر من خمسين روايةً (لن نُحصي الإحدى عشرة روايةً التي قد كُتبت تحت أسماء مُستعارة: روزاموند سمث، لورين كيلي) تتفهّمُ- بشكلٍ كامل- كم هو قليلٌ ما يملكُه النُّقادُ لأجل الكُتّاب غزيري الإنتاج. في إحدى تدويناتها كتبت تقول، يبدو أنّها كانت تخلُقُ إبداعاً «أكثر حقيقةً مما يسمحُ به العالمُ الأدبي لـ «كاتبٍ جادّ»».

حيثُ في كُلّ الافتراضات التي تتعاملُ، بإدراكٍ موضوعيٍّ للحقيقة، ثمّة فكرة أنّ الكتابة، بشكلٍ غزيرٍ، تُساوي، في قيمتها، الكتابة السّيّئة، هي فكرة لابُدّ أن يتمّ التعاملُ معها بحذر. في الغالب، يبدو أنّ هذا صحيح. لا أحد -بالتّأكيد- سيُنصّبُ كاتبَ روايات الغموض جون كريسي- مؤلّف (564) روايةٍ، تحت أحد عشر اسماً مُستعاراً مختلفين- ملكاً داخل قصر أبطال الأدب الأُسطوريّين، فكلاهُما: شخصُه وإبداعاتُه قد طواهُما النّسيانُ، إلى حَدّ كبير. الأمرُ نفسُه هو حقيقةُ الروائية البريطانية أُورسولا بلوم (نحو 500 عملٍ، منشور تحت عدّة أسماء مُستعارة)، وباربارا كارتلاند (نحو 700 عمل)، وحشد من آخرين.

ذلك يُذكّر المرء بنُكتة «ترومان كابُّت» الشهيرة عن جاك كيرواك:

«هذه ليست كتابة، هذا نقرٌ على آلة كتابة».

إلى الآن، بعضٌ من الكُتّاب غزيري الإنتاج قد تركوا انطباعاً على الوعي الجماهيريّ. لنُفكّر، مليّاً، في آجاثا كرستي، التي يُزعمُ أنّها أكثرُ كُتّاب القرن العشرين شعبيّة، والتي مازالت أعمالُها الكاملةُ تُطبَع.

هي كتبت (91) كتاباً: (82) منها باسمها، و(9) تحت اسمٍ مُستعار: ماري وستماكُت، أو اسمها بعد الزّواج: آجاثا كرستي مالوان. هذه الرواياتُ، لربّما ليست ذات طابعٍ أدبي، لكنها مُنزّهةٌ عن العصيدة التي قد صُنعت بواسطة جون كريسي، وبعضٌ منها جيدٌ لافتٌ للنّظر. كرستي قد وهبتنا شخصيتين: مسز ماربل، وهيركل بويرت، وقد حقّقت ضرباً من الخُلود. أضف، إلى هذا، الوحدة في الأسلوب والأفكار، في روايات كرستي، (الحميميّة الباعثةُ على الرّاحة في بنائية العمل، والقوالب البريطانيّة الـمُدرجة في سياق تقديرها الفاتر للطبيعة البشرية، بشكلٍ مُدهش) لابدّ للمرء من أن يُعاين تلك الكُتُب العديدة، من وجهات نظرٍ مُختلفة.

الشيء نفسه، باستطاعتنا أن نقوله عن الكاتب الخصيب «جون د.ماكدونلد»، وهو كاتبٌ من أواسط القرن العشرين، شخصيتُه الكتابية الـمُخترعة «TRAVIS MCGEE» تبدو، الآن، قديمة الطّراز، بشكلٍ مُحرج، وكثيرٌ من رواياته الفريدة، التي تربو على الأربعين، هي مزيجٌ بين إرنست همنغواي، وجون أوهارا، لكن، حين تناسى ماكدونلد أبطاله الأدبيّين، وكتب لأجل ذاته- بشكلٍ قاطع- أنجز أعمالاً مدهشة، منها:

«THE END OF THE NIGHT»،«THE LAST ONE LEFT»، وهي ترتقي إلى المستوى التصنيفيّ الأعجم، من تغيير الشكل الذي نُطلقُ عليه الأدب الأميركي. ليس ثمة عاقل أو عاقلة، سيُجادلُ بأنّ الكمّ يضمنُ الجودة، لكن، إن افترضتُ أنّ الكمّ لا يُسفرُ أبداً عن جودةٍ فستُهاجمني بأنّي مغرورٌ وفارغٌ، وأنّي كاذبٌ بكُلّ الدلائل.

ثُمّ، لنأخُذ في الحسبان الطرف الآخر من السّلسلة: «دُونّا تارت»، واحدةٌ من أفضل الرّوائيّين الأميركيّين الّذين قد ظهروا خلال الخمسين عاماً الأخيرة، قد نشرت ثلاث رواياتٍ فحسب، مُنذُ 1992، و«جوناثان فرانزن»، الروائيُّ الأميركيُّ الوحيدُ الذي يُضاهيها في القيمة، قد نشر خمس روايات.

من السّهل أن تُلقي نظرةً على تلك الكُتب القليلة، جميعها كُتبٌ استثنائيّة، وستستنتج أنّهُ، كُلّما كان العدد أقلّ كان ذلك أفضل. لرُبّما .. الـمُتقاعدُ- مُؤخَّراً- «فيليب روث»، الذي كتب أضعاف ما كتبهُ كلاهُما مُجتمعَيْن، روايتُه «OUR GANG» كانت شنيعةً، بشكلٍ واضح. على الجانب الآخر إن رواية «AMERICAN PASTORAL» تبدو لي أفضل من رواية الآنسة تارت «THE GOLDFINCH»، أو رواية السّيد فرانزن «FREEDOM».

أنا قد تعافيتُ من الكحول، لم أتناول شراباً تقريباً طوال سبعةٍ وعشرين عاماً. وفي هذه الأيّام، من النّادر أن يُداخل عقلي أن أشرب. حتى الآن، حين أُفكّرُ بالرّوايات الثّماني تلك للآنسة تارت، والسيد فرانزن، والتي لا تكفي حتى أن تملأ رُبع رفّ في مكتبة، أتذكّرُ غذاءً تناولتُه بصُحبة زوجتي بعد أن توقّفتُ عن الشّراب، وصرتُ مُتّزناً. كان هُناك سيّدتان إلى طاولةٍ بقُربنا. كانتا تتحاوران بحيويّةٍ عظيمة، وهما تُنهيان وجبتيهما، بينما كاساتُ النّبيذ الأبيض، التي قد فرغت أنصافُها، تقبعُ منسيّةً وسط الطّاولة. أحسستُ بدافعٍ شديدٍ لأن أنهض من مكاني وأتحدّث إليهما. هذا ليس صحيحاً! فقط، أحسستُ بدافعٍ لأن أُفزعهُما؛ أن أقول:

«لماذا لا تشربان نبيذكُما؟ إنهُ يقبعُ هاهُنا، اللعنة! بعضنا لا يستطيعُ شُرب النّبيذ، ليس لدينا هذا الامتياز، لكن أنتما تستطيعان، فلماذا، بحقّ الجحيم، لا تفعلان هذا؟».

الفجواتُ المديدة بين الكُتب، لمثل هؤلاء الكُتّاب الموهوبين، تُصيبُني بالجنون. على نحوٍ مُماثل، أُدركُ أنّ كلّ واحد مّنّا يعملُ بسرعةٍ متفاوتة، ولديه عمليةٌ مُختلفةٌ قليلاً. أتفهّمُ أنّ هؤلاء الكُتّاب يُجاهدون في أثناء كتابة كُلّ جُملة- كُلّ كلمة، كي تتضمّن ثقلاً (أو أن يستعير أحدهم عُنوان إحدى أفضل روايات جوناثان فرانزن، كي يكون لديه وقعٌ عظيم). أعلمُ أنّ هذا ليس كسلاً، لكنّه احترامٌ للعمل، وأفهمُ، من مُنطلق عملي الخاصّ، أنّ العجلة تتسبّبُ في الخراب.

لكن، أنا أتفهّمُ أنّ الحياة قصيرة، وأنّه، في النّهاية، لا أحد منّا غزير الإنتاج. الألقُ الإبداعيُّ يخبو، ومن ثمّ، يُخمدُه الموت. وليام شيكسبير، على سبيل المثال، لم يُنتج أيّة مسرحيّةٍ جديدة طوال أربعمئة عام. وبهذا فإن أصدقائي هم تعويذةٌ ناضبةٌ، مُنذُ عهدٍ بعيد. ليس هذا احتيالاً كي أُبرّر به خصوبة ما كتبت. نعم؛ أنا نشرتُ أكثر من خمسٍ وخمسين روايةً. نعم، أنا قد استخدمتُ اسماً مُستعاراً ( ريتشارد باتشمان). نعم نشرتُ، ذات مرّةٍ، أربعة كُتُبٍ في عامٍ واحد، كظلالٍ من سلسلة:(JAMES PATTERSON)، (باسـتثنـاء أن رواياتي كانت أطول، وكُتبت دون مساعدة مُعاون). ونعم، كتبتُ، ذات مرّةٍ روايةً في أسبوعٍ واحد «THE RUNNING MAN». لكن بإمكاني أن أقول، بأمانةٍ، تماماً: أبداً، لم يكُن لديّ أيُّ خيار. وبوصفي شابّاً، كانت رأسي مثل صالة عرض أفلامٍ مُكتظّة، حيث أحدهم قد صرخ: «أطلق النّار»، والجميعُ يتدافعون نحو المخارج، في الوقت نفسه.

كانت لديّ ألفُ فكرة، لكن، لديّ عشرةُ أصابع فقط، وآلةُ كتابةٍ واحدة. كانت هناك أيامٌ (أنا لا أمزحُ بخصوص هذا، أو أُبالغ)، كنتُ أظنُّ أنّ كلّ الأصوات الصّاخبة داخل رأسي ستقودني نحو الجنون.

عودةٌ- إذاً- إلى فترتيَ العشرينات، وأوائل الثلاثينات، غالباً ما كنتُ أُفكّرُ بقصيدة جون كيتس التي تبدأ بقولها:

«حين كانت لديّ مخاوفٌ، ممّا قد أكونه

قبل أن جلّى قلمي .. ما في عقلي من ازدحام ..»

أتصوّرُ أنّ الأمور قد جرت هكذا مع فريدرك شيللر فاوست، المعروف أكثر بـ«ماكس براند» (و المشهور بأنّه مُخترعُ شخصية «DR. KILDARE»). كتب- على الأقلّ- 450 رواية، وصار إنجازُه الفذُّ ملحوظاً أكثر، باعتلال صحته وموته المبكّر، في الواحد والخمسين من عُمره.

ألكسندر دوماس كتب «THE COUNT OF MONTE CRISTO وTHE THREE MUSKETEER»، و250 رواية أُخرى، وهُناك إسحاق عظيموف، الذي باع قصّتهُ القصيرة الأولى في سنّ التاسعة عشرة، قد أنجز، بالمثابرة، أكثر من 500 كتابٍ، وأحدث ثورةً في أدب الخيال العلمي. أُطروحتي، هُنا، هي طرحٌ مُتواضع: غزارةُ الإنتاج، أحياناً، أمرٌ حتميّ، ولديها مكانتها. التعريفُ المقبولُ القائلُ: “أن تُنتج ثماراً أكثر أو أوراقاً، أو ذُريّةً، عدداً من المرّات، لهُ رنّةُ تفاؤليّة، على الأقل، بالنسبة لأُذُني».

ليس كلُّ شخصٍ يتحسّسُ الأمر بهذه الطريقة. أتذكّرُ حفلاً، كان فيه أشخاصٌ قد نصّبوا أنفسهم حُكّاماً أدبيّين، كانوا يُلقون النّكات، حتّى أن «جويس كارول أوتس» كانت، كما السّيدة العجوز، تعيشُ في بيتٍ، وحولها الكثيرُ من الأطفال، ولم تكن تدري ما يجب أن تفعل. في الحقيقة، هي تدري ماذا تفعل، ولماذا تفعلُ ما تفعل.

كتبت في إحدى تدويناتها: «لديّ الكثيرُ من القصص، الكثيرُ من الروايات».

وأنا سعيدٌ بهذا، لأني أُريدُ أن أقرأها.

(الأسوار أم التعايُش ؟(إيزابيللا كاميرا

(الأسوار أم التعايُش ؟(إيزابيللا كاميرا

منايزابيلا كاميرا الصعب أن نتحدّث عن التعايُش وروح التضامن في عصرٍ كالذي نعيش فيه. فلا تكفّ قنوات التليفزيون لدينا عن أن ترسل صوراً للكراهية والتعصُّب، من جميع أنحاء العالم. ولكن في الآونة الأخيرة لم يعد هناك بالنسبة لكثير من الناس في بعض المناطق الجغرافية، سلام ولا أمل في حياة أفضل أبداً. والبابا فرانشيسكو، الذي هو بالتأكيد شخصية جديدة غير معتادة على الكنيسة الكاثوليكية، وربما على العالم كله، يقومن الصعب أن نتحدّث عن التعايُش وروح التضامن في عصرٍ كالذي نعيش فيه. فلا تكفّ قنوات التليفزيون لدينا عن أن ترسل صوراً للكراهية والتعصُّب، من جميع أنحاء العالم. ولكن في الآونة الأخيرة لم يعد هناك بالنسبة لكثير من الناس في بعض المناطق الجغرافية، سلام ولا أمل في حياة أفضل أبداً. والبابا فرانشيسكو، الذي هو بالتأكيد شخصية جديدة غير معتادة على الكنيسة الكاثوليكية، وربما على العالم كله، يقول لنا باستمرار: إن الله لا يحب الأسوار، وأننا يجب ألا نبني أسواراً على الإطلاق. ومع ذلك، فإن الأسوار: لا تفتأ تزيد في كل مكان. في عصرنا، ومنذ سقوط سور برلين حتى اليوم، لم نفعل سوى المشاركة في تشييد مجموعة من الأسوار الأخرى، وكلها أعلى من سور برلين وأكثر حصانة منه. هي أسوار من الخرسانة والحجارة والأسلاك الشائكة، يواكبها للأسف العديد من الأسوار الثّقافيّة التي هي أكثر منعة وأشقّ على التحطيم. المثال الصارخ على هذه الأسوار الشائهة هو ذلك الذي يفصل إسرائيل عن فلسطين التي يزيد امتهانها أكثر وأكثر. لا يقلّ عنه عاراً ذلك السور الذي بنته في أوروبا الحكومة المجرية، لمنع اللاجئين الفارين من النزاعات في الشرق الأوسط جديدها وقديمها، للعبور من ذلك البلد. مجرد عبور فقط. لم يتم السماح لعائلات بأكملها عبور أراضي المجر للذهاب نحو الأمل في حياة أفضل، بعد الكثير من المعاناة والعذابات التي تحملوها في أوطانهم وفي رحلة هروبهم. والمعنى أنه حتى في أوروبا الحرّة، تتزايد الأسوار، وليس فقط أسوار الأسلاك الشائكة، فيكفي أن نرى العديد من المناطق الأوروبية التي تنمو فيها الأحزاب اليمينية والحركات العنصرية وجماعات بث الذعر من الإسلام.. يبدو العالم ماضياً كل يوم في اتجاه التعصُّب والخوف والشك ّ. ورغم هذا تظلّ في عصرنا أيضاً أمثلة على التسامح الكبير وعلى التحضُّر. وفي هذا الصدد أريد أن أتذكر «المعجزة» التي قام بها صديقنا العزيز الأب باولو دالوليو الذي غادر في سِنٍّ مُبكّرة إلى سوريا، التي أصبحت وطنه الجديد، حيث أعاد هيكلة دير مار موسى الحبشي التاريخي، بالقرب من بلدة النبك شمال دمشق، بمساعدة العديد من المتطوعين، ذلك الدير القديم الذي يعود بناؤه إلى القرن الحادي عشر( 1058)، وأسّس فيه جماعة من المسيحيين وغير المسيحيين، وفتحه أمام حوار الأديان والتعايُش السلمي الإنساني والتعاون الثقافي بين الناس. أبونا باولو، كما يدعونه ببساطة كل الناس الذين عرفوه، لا يكلّ أبداً عن الترحيب بأي شخص يستقبله في ذلك الدير ممن يحتاجون إلى السلام والسكينة. فيرحّب بمن يخرج من السجن، والرحالة الذين يسافرون بحثاً عن أنفسهم، وكان يدعو المسلمين والمسيحيين دون تمييز للتجمُّع في هذه الواحة وأداء الصلوات معاً. وعندما تَمّ طرده من سوريا عام 2012 عاد إلى إيطاليا، وطنه الأم، حيث عانى فيها معاناة المهاجرين، فقد أحسّ فيها بالغربة التي تعذّب كل من يقيم في المنفى، لأنه كان إيطالياً بجواز سفره سوري الروح والهوى. وعلى الرغم من كثرة الحديث عنه منذ اختفائه واختطافه في سورية، حيث عاد إليها مرة أخرى في عام 2013، لم يعد أحد يتحدّث عنه اليوم، مما حدا بمجموعة من أصدقائه ومؤيديه، إلى تأسيس جمعية سموها «أصدقاء الأب دالوليو». وتسعى الجمعية لنشر أفكاره الإنسانية العظيمة عن التعايُش، وتُنظّم لقاءات بين شخصيات مسلمة ومسيحية تسعى للحوار. وعقد مؤخراً في روما لقاء بعنوان «مسيحيون ومسلمون من أجل الرحمة»، بمشاركة بعض كبار الشخصيات الإيطالية والعربية. حاول الجميع شرح المعنى الحقيقي للتضامن والتعايُش، على أمل أن تقع هذه الكلمات على آذان ليس بها صمم. فهل من الممكن العيش معاً باسم الحب والتسامح كما كان يعتقد ويحلم أبونا باولو؟ أم أنها مدينة فاضلة يحلم بها بعض الناس الطيبين ؟ أحب أن أعتقد أن كل هذا ليس حلماً، وأن واقعاً مختلفاً قد يكون ممكناً، انطلاقاً من هؤلاء الناس الطيبين الذين لا يتوانون في عالمهم الصغير عن الاعتقاد في التعايُش الاجتماعي والسياسي والثقافي، وأنه لا يصح أن يكون هذا هدفاً نسعى إلى تحقيقه قدر ما هو حقّ للبشرية جمعاء.ل لنا باستمرار: إن الله لا يحب الأسوار، وأننا يجب ألا نبني أسواراً على الإطلاق. ومع ذلك، فإن الأسوار: لا تفتأ تزيد في كل مكان. في عصرنا، ومنذ سقوط سور برلين حتى اليوم، لم من الصعب أن نتحدّث عن التعايُش وروح التضامن في عصرٍ كالذي نعيش فيه. فلا تكفّ قنوات التليفزيون لدينا عن أن ترسل صوراً للكراهية والتعصُّب، من جميع أنحاء العالم. ولكن في الآونة الأخيرة لم يعد هناك بالنسبة لكثير من الناس في بعض المناطق الجغرافية، سلام ولا أمل في حياة أفضل أبداً. والبابا فرانشيسكو، الذي هو بالتأكيد شخصية جديدة غير معتادة على الكنيسة الكاثوليكية، وربما على العالم كله، يقول لنا باستمرار: إن الله لا يحب الأسوار، وأننا يجب ألا نبني أسواراً على الإطلاق. ومع ذلك، فإن الأسوار: لا تفتأ تزيد في كل مكان. في عصرنا، ومنذ سقوط سور برلين حتى اليوم، لم نفعل سوى المشاركة في تشييد مجموعة من الأسوار الأخرى، وكلها أعلى من سور برلين وأكثر حصانة منه. هي أسوار من الخرسانة والحجارة والأسلاك الشائكة، يواكبها للأسف العديد من الأسوار الثّقافيّة التي هي أكثر منعة وأشقّ على التحطيم. المثال الصارخ على هذه الأسوار الشائهة هو ذلك الذي يفصل إسرائيل عن فلسطين التي يزيد امتهانها أكثر وأكثر. لا يقلّ عنه عاراً ذلك السور الذي بنته في أوروبا الحكومة المجرية، لمنع اللاجئين الفارين من النزاعات في الشرق الأوسط جديدها وقديمها، للعبور من ذلك البلد. مجرد عبور فقط. لم يتم السماح لعائلات بأكملها عبور أراضي المجر للذهاب نحو الأمل في حياة أفضل، بعد الكثير من المعاناة والعذابات التي تحملوها في أوطانهم وفي رحلة هروبهم. والمعنى أنه حتى في أوروبا الحرّة، تتزايد الأسوار، وليس فقط أسوار الأسلاك الشائكة، فيكفي أن نرى العديد من المناطق الأوروبية التي تنمو فيها الأحزاب اليمينية والحركات العنصرية وجماعات بث الذعر من الإسلام.. يبدو العالم ماضياً كل يوم في اتجاه التعصُّب والخوف والشك ّ. ورغم هذا تظلّ في عصرنا أيضاً أمثلة على التسامح الكبير وعلى التحضُّر. وفي هذا الصدد أريد أن أتذكر «المعجزة» التي قام بها صديقنا العزيز الأب باولو دالوليو الذي غادر في سِنٍّ مُبكّرة إلى سوريا، التي أصبحت وطنه الجديد، حيث أعاد هيكلة دير مار موسى الحبشي التاريخي، بالقرب من بلدة النبك شمال دمشق، بمساعدة العديد من المتطوعين، ذلك الدير القديم الذي يعود بناؤه إلى القرن الحادي عشر( 1058)، وأسّس فيه جماعة من المسيحيين وغير المسيحيين، وفتحه أمام حوار الأديان والتعايُش السلمي الإنساني والتعاون الثقافي بين الناس. أبونا باولو، كما يدعونه ببساطة كل الناس الذين عرفوه، لا يكلّ أبداً عن الترحيب بأي شخص يستقبله في ذلك الدير ممن يحتاجون إلى السلام والسكينة. فيرحّب بمن يخرج من السجن، والرحالة الذين يسافرون بحثاً عن أنفسهم، وكان يدعو المسلمين والمسيحيين دون تمييز للتجمُّع في هذه الواحة وأداء الصلوات معاً. وعندما تَمّ طرده من سوريا عام 2012 عاد إلى إيطاليا، وطنه الأم، حيث عانى فيها معاناة المهاجرين، فقد أحسّ فيها بالغربة التي تعذّب كل من يقيم في المنفى، لأنه كان إيطالياً بجواز سفره سوري الروح والهوى. وعلى الرغم من كثرة الحديث عنه منذ اختفائه واختطافه في سورية، حيث عاد إليها مرة أخرى في عام 2013، لم يعد أحد يتحدّث عنه اليوم، مما حدا بمجموعة من أصدقائه ومؤيديه، إلى تأسيس جمعية سموها «أصدقاء الأب دالوليو». وتسعى الجمعية لنشر أفكاره الإنسانية العظيمة عن التعايُش، وتُنظّم لقاءات بين شخصيات مسلمة ومسيحية تسعى للحوار. وعقد مؤخراً في روما لقاء بعنوان «مسيحيون ومسلمون من أجل الرحمة»، بمشاركة بعض كبار الشخصيات الإيطالية والعربية. حاول الجميع شرح المعنى الحقيقي للتضامن والتعايُش، على أمل أن تقع هذه الكلمات على آذان ليس بها صمم. فهل من الممكن العيش معاً باسم الحب والتسامح كما كان يعتقد ويحلم أبونا باولو؟ أم أنها مدينة فاضلة يحلم بها بعض الناس الطيبين ؟ أحب أن أعتقد أن كل هذا ليس حلماً، وأن واقعاً مختلفاً قد يكون ممكناً، انطلاقاً من هؤلاء الناس الطيبين الذين لا يتوانون في عالمهم الصغير عن الاعتقاد في التعايُش الاجتماعي والسياسي والثقافي، وأنه لا يصح أن يكون هذا هدفاً نسعى إلى تحقيقه قدر ما هو حقّ للبشرية جمعاء.نفعل سوى المشاركة في تشييد مجموعة من الأسوار الأخرى، وكلها أعلى من سور برلين وأكثر حصانة منه. هي أسوار من الخرسانة والحجارة والأسلاك الشائكة، يواكبها للأسف العديد من الأسوار الثّقافيّة التي هي أكثر منعة وأشقّ على التحطيم. المثال الصارخ على هذه الأسوار الشائهة هو ذلك الذي يفصل إسرائيل عن فلسطين التي يزيد امتهانها أكثر وأكثر. لا يقلّ عنه عاراً ذلك السور الذي بنته في أوروبا الحكومة المجرية، لمنع اللاجئين الفارين من النزاعات في الشرق الأوسط جديدها وقديمها، للعبور من ذلك البلد. مجرد عبور فقط. لم يتم السماح لعائلات بأكملها عبور أراضي المجر للذهاب نحو الأمل في حياة أفضل، بعد الكثير من المعاناة والعذابات التي تحملوها في أوطانهم وفي رحلة هروبهم. والمعنى أنه حتى في أوروبا الحرّة، تتزايد الأسوار، وليس فقط أسوار الأسلاك الشائكة، فيكفي أن نرى العديد من المناطق الأوروبية التي تنمو فيها الأحزاب اليمينية والحركات العنصرية وجماعات بث الذعر من الإسلام.. يبدو العالم ماضياً كل يوم في اتجاه التعصُّب والخوف والشك ّ. ورغم هذا تظلّ في عصرنا أيضاً أمثلة على التسامح الكبير وعلى التحضُّر. وفي هذا الصدد أريد أن أتذكر «المعجزة» التي قام بها صديقنا العزيز الأب باولو دالوليو الذي غادر في سِنٍّ مُبكّرة إلى سوريا، التي أصبحت وطنه الجديد، حيث أعاد هيكلة دير مار موسى الحبشي التاريخي، بالقرب من بلدة النبك شمال دمشق، بمساعدة العديد من المتطوعين، ذلك الدير القديم الذي يعود بناؤه إلى القرن الحادي عشر( 1058)، وأسّس فيه جماعة من المسيحيين وغير المسيحيين، وفتحه أمام حوار الأديان والتعايُش السلمي الإنساني والتعاون الثقافي بين الناس. أبونا باولو، كما يدعونه ببساطة كل الناس الذين عرفوه، لا يكلّ أبداً عن الترحيب بأي شخص يستقبله في ذلك الدير ممن يحتاجون إلى السلام والسكينة. فيرحّب بمن يخرج من السجن، والرحالة الذين يسافرون بحثاً عن أنفسهم، وكان يدعو المسلمين والمسيحيين دون تمييز للتجمُّع في هذه الواحة وأداء الصلوات معاً. وعندما تَمّ طرده من سوريا عام 2012 عاد إلى إيطاليا، وطنه الأم، حيث عانى فيها معاناة المهاجرين، فقد أحسّ فيها بالغربة التي تعذّب كل من يقيم في المنفى، لأنه كان إيطالياً بجواز سفره سوري الروح والهوى. وعلى الرغم من كثرة الحديث عنه منذ اختفائه واختطافه في سورية، حيث عاد إليها مرة أخرى في عام 2013، لم يعد أحد يتحدّث عنه اليوم، مما حدا بمجموعة من أصدقائه ومؤيديه، إلى تأسيس جمعية سموها «أصدقاء الأب دالوليو». وتسعى الجمعية لنشر أفكاره الإنسانية العظيمة عن التعايُش، وتُنظّم لقاءات بين شخصيات مسلمة ومسيحية تسعى للحوار. وعقد مؤخراً في روما لقاء بعنوان «مسيحيون ومسلمون من أجل الرحمة»، بمشاركة بعض كبار الشخصيات الإيطالية والعربية. حاول الجميع شرح المعنى الحقيقي للتضامن والتعايُش، على أمل أن تقع هذه الكلمات على آذان ليس بها صمم. فهل من الممكن العيش معاً باسم الحب والتسامح كما كان يعتقد ويحلم أبونا باولو؟ أم أنها مدينة فاضلة يحلم بها بعض الناس الطيبين ؟ أحب أن أعتقد أن كل هذا ليس حلماً، وأن واقعاً مختلفاً قد يكون ممكناً، انطلاقاً من هؤلاء الناس الطيبين الذين لا يتوانون في عالمهم الصغير عن الاعتقاد في التعايُش الاجتماعي والسياسي والثقافي، وأنه لا يصح أن يكون هذا هدفاً نسعى إلى تحقيقه قدر ما هو حقّ للبشرية جمعاء.

ام كلثوم و افلامها فى السينما ! بقلم المؤرخ والباحث فى التراث الفنى و جيـــه نــــدى

ام كلثوم و افلامها فى السينما ! بقلم المؤرخ والباحث فى التراث الفنى و جيـــه نــــدى

تعاونت ام كلثوم مع السينما المصريه ولم تقدم غير ستة افلام فقط ولم تلقى الشهره امام نجمات السينما ومنهن الاولى على الشاشه نادره امين عام 1932 – نجاة على ودموع الحب وموسم 1935 – ومنيره المهديه وفيلم الغندوره فى موسم 1935 – وكانت ام كلثوم الرابعه من نجمات الغناء والتى تظهر فى السينما – ورغم حب الكثير لها قدمت عدد 6 افلام فقط وقد جاهدت لخوض تلك التجربة بعد ظهور العديد من النجمات فى السينما الغنائية مما كان لة كبير الاثر فى اجتهادها وبعد اطلالة ام كلثوم فى اول افلامها ظهرت اصوات غنائية ومنهم رجاء عبدة وفيلم وراء الستار مع عبد الغنى السيد ومنيرة المهدية وفيلم الغندورة 1936 وليلى مراد وفيلم يحيا الحب1938 وملك محمد وفيلم العودة الى الريف 1939\ والمطربة ليلى حلمى وفيلم العريس الخامس 1940 \ واسمهان وفيلم انتصار الشباب 1941 ونور الهدى وفيلم جوهرة 1943 \وفتحية احمد وفيلم حنان 1944\احلام وفيلم هذا جناة ابى 1945 \صباح وفيلم سر ابى \لور دكاش وفيلم الموسيقار 1946 وغيرهن ومن خلال الفترة الزمنية من 1936 وحتى 1947 قدمت ام كلثوم 6 افلام وكان الفيلم الاول لكوكب الشرق فى السينما الغنائية (وداد )\مع احمد علام \مختار عثمان\منسى فهمى\ فتوح نشاطى\فؤاد فهيم \وغنت ام كلثوم مجموعة الحان لمحمد القصبجى \وزكريا احمد \ ورياض السنباطى \ وغنت ياطير عايش اسير\\لية يا زمان \ يا للى ودادى صفالك \ حيوا الربيع\يا بشير الانس\ يا ليل نجومك شهود وجميعهم من تاليف احمد رامى \ وقصيدة ايها الرائح المجد من نظم الشريف الرضى \وعدد 8 الحان وعرض 10 فبراير 1936 ورقم 53 فى تاريخ السينما الغنائيه والموسيقى التصويرية للفنان الايطالى بنيو باردى ومن اخراج الايطالى فريتز كرامب واول انتاج لاستوديو مصر وكان العرض بدار سينما وداد بالاسكندريه بمنطقة حى اللبان \ وفى اقل من عام سارعت ام كلثوم بالتجهيز للفيلم الثانى وذلك بعد النجاح فى وداد وكان نشيد الامل مع زكى طليمات\عبد العزيز خليل\عباس فارس\استيفان روسيتى\مارى منيب\ فؤاد شفيق\عبد المجيد شكرى\وغنت 8 الحان وجميعهم من تاليف احمد رامى وهم افرح يا قلبى\ قضيت حياتى\ يا شباب النيل\ منيت شبابى\ نامى يا ملاكى\ ياللى صنعت الجميل\ يا مجد يا ما اشتهيتك\ والاعمال من الحان محمد القصبجى ورياض السنباطى وكان العرض11 يناير \1937 ورقم 64 فى تاريخ السينما المصرية وكانت الموسيقى التصويرية للفنان عزيز صادق والفيلم من اخراج احمد بدر خان وكان العرض بدار سينما ريالتو بالاسكندريه \ وكان الفيلم الثالث هو (دنــانير ) مع عباس فارس وفؤاد شفيق وسليمان نجيب ويحيى شاهين وغنت ام كلثوم مجموعة الحان وهم الزهر فى الروض\يا فؤادى\الشمس مالت للمغيب\بكرة السفر \يا ليلة العيد \ رحلت عنك \ طاب النسيم \ قولى لطيفك (قصيدة للشريف الرضى )وكانت الالحان لزكريا احمد ورياض السنباطى ومحمد القصبجى وهم من كلمات احمد رامى وكانت الموسيقى التصويرية لمحمد حسن الشجاعى وكان الفيلم من اخراج احمد بدرخان وعرض فى 29سبتمبر \1940 ورقم 113 فى السينما الغنائية والعرض بدار سينما ركس بالاسكدريه \ وكان الموعد مع الفيلم رقم 4 لام كلثوم وهو (عايدة ) وبرعت امام المطرب ابراهيم حمودة وعبد الوارث عسر وسليمان نجيب ومحمود رضا ويحيى شاهين ونبوية مصطفى وامال زايد ومارى منيب وحسن كامل وغنى بالفيلم ومن خلال احداثة عبد الغنى السيد وفتحية احمد وانتون سليم والمطرب حسن ابو زيد والمطرب محمد قنديل وهو صغيرا حيث غنى مع الكورال وقدمت ام كلثوم 7 الحان هما فضل لى اية يا زمان\يا فرحة الاحباب\القطن فتح \ عطف حبيبى وهنانى \ يا قلبى بكرة السفر \ احنا احنا وحدنا \ وشارك فى تلك الالحان زكريا احمد \ محمد القصبجى \رياض السنباطى \وعرض فى 28 ديسمبر \1942 اخراج احمد بدر خان ورقم 150 فى تاريخ السينما ويعتبر المطرب ابراهيم حمودة هو الاوحد الذى قام بالبطولة امام كوكب الشرق فى مصر والعالم العربى ونال الشهرة الاكثر بعد عرض الفيلم وكان العرض بدار سينما كوزمو بالاسكندريه \ (سلامة ) وهو الفيلم رقم 5 لام كلثوم وقامت بالبطولة امام مع يحيى شاهين\ زوزو نبيل \ عبد الوارث عسر \ فؤاد شفيق \ عبد العزيز خليل \ محمد كمال المصرى \ فاخر فاخر \ استيفان روسيتى \ وغنت ام كلثوم 8 الحان الفوازير\ برضاك يا خالقى\سلام اللة على الحاضرين\عينى يا عينى\ فى نور محياك\ غنى لى شوى شوى\ قالوا احب القس سلامة من نظم على احمد باكثير \ يا بعيد الدار من اشعار عباس بن الاحنف \ وباقى الاغنيات من تاليف بيرم التونسى وكانت الالحان لزكريا احمد \ ورياض السنباطى والموسيقى التصويرية لمحمد حسن الشجاعى والفيلم من اخراج وسيناريو توجو مزراحى وعرض 9 ابريل 1945 بدار سينما ريالتو بالاسكندريه ورقم 203 فى تاريخ السينما الغنائية وكان الفيلم الاخير لكوكب الشرق فى السينما وهو (فاطمة) والبطولة مع انور وجدى \سليمان نجيب \ محمد الديب \ فردوس محمد \ وقصة مصطفى امين \ ومن اخراج احمد بدر خان \ وعرض فى 15 فبراير \1947\ وقدمت ام كلثوم 9 الحان \ح اقابلة بكرة\ اصون كرامتى\ظلمونى الناس\نورك يا ست الكل\ يا صباح الخير\ياللى انحرمت الحنان\\لغة الزهور\نصرة قوية\\جمال الدنيا وقام كبار الموسيقيين بتقديم الانغام زكريا احمد\ محمد القصبجى\ رياض السنباطى وكانت الموسيقى التصويرية لمحمد حسن الشجاعى وقد اشترك بيرم التونسى واحمد رامى فى نظم الاعمال الغنائية وهو الفيلم رقم 115 فى تاريخ السينما الغنائية وابتعدت ام كلثوم عن السينما من 1947 وحتى 1963عندما قدمت للسينما وبالصوت فقط فيلم رابعة العدوية من اخراج نيازى مصطفى ومن نظم طاهر ابو فاشا حيث غنت من الحان محمد الموجى اوقدوا الشموع \حانت الاقدار\ومن الحان رياض السنباطى عرفت الهوى\يا صحبة الراح\على عينى بكت عينى وقدم كمال الطويل عملين هما لغيرك ما مدد يدا واما اللحن الثانى على باب الرجاء لم يذع ضمن اعمال الفيلم وابقى علية كمال الطويل بمكتبة وكانت هناك مشكلة حالت دون اذاعتة وانما انتجتة شركة صوت القاهرة والى ان نلتقى مع علم اخر ولكم تحياتى \\ المؤرخ والباحث فى التراث الفنى وجيـــة نــــدى

العناد الفنى بين العندليب و الموسيقار

العناد الفنى بين العندليب و الموسيقار

المطرب، أي مطرب، في الغناء، ومعه فرقته االموسيقية التي ترافقه بعزف صاخب لا يتمكن معه المستمع من فهم الكلام الذي يغنيه المطرب، ولا تُبيّن ما إذا كان صوته جميلاً أم لا، ويروح يغني ويغني والناس مشغولون عنه بالتحدث مع بعضهم، أو بتناول الطعام، وحتى عندما ينتهي من الأغنية فإن أحداً لا يصفق له، فيضطر هو الى طلب التصفيق، ويظل يردد عبارات أصبحت متداولة بين جميع مطربي الجيل الجديد: «صقفوا له» أو «صقفة كبيرة قوي» أو «صقفوا معايا» أو « حنغني مع بعض»!.
ولكن الحال كله يتغير فجأة بمجرد أن يغني المطرب، أي مطرب، أغنية ما للعندليب الراحل عبد الحليم حافظ فإن الساهرين عندئذٍ يأخذون في الاستماع اليه، والتصفيق له، والغناء معه، ولا يعودون يعملون حساباً لجمال صوته، أو حلاوة مظهره، أو نسبة الصخب في موسيقاه، وهكذا تأكد النجاح بالنسبة لجيل المطربين الشبان!. وفي الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور أيضاً، فإنني أعود من جديد الى أوراقي القديمة لأستلهم منها بعض الذكريات عن العندليب الأسمر ولكي أقوم أيضاً بـ« مسح» الأضرار التي أصيب بها الغناء العربي منذ رحيله، وأبرز هذه الأضرار هو ظهور هذا العدد الضخم من المطربين ليس في مصر وحدها، بل وفي العديد من الأقطار العربية، وهو ما لم يكن ممكناً في وجوده، إلا للمطربين الذين يملكون حلاوة الصوت والأداء فعلاً وكان منهم عادل مامون و محرم فؤاد و ماهر العطار واحمد سامى عبد اللطيف التلبانى !.
وكانت اول مره يسمع فيها الموسيقار محمد عبد الوهاب لصوت عبد الحليم حافظ عام 1953 فى حفل و سهره اقامها اكرم العجه فى قصره بجاردن سيتى وكان صاحب الدعوة قد قال للموسيقار إنه يريد أن يسمع و يتعرف على مطرب جديد فجامله وحضر تلك السهره و بعد نهاية السهره قال عنه الموسيقار – هو شجي الصوت، ويتمتع بميزة سوف تفتح أمامه أبواب النجاح.وتلك الميزه هى .لديه ثقة كبيرة بنفسه، لقد كنت أتوقع أن يتهيّب الغناء أمامي، ولكنه احتضن عوده، وغنى أمامي وهو هادئ الأعصاب، وحتى عندما غنى إحدى أغنياتي، فإنه غناها بطريقته الخاصة وليس بطريقتي، وفضلاً عن ذلك فإنني لاحظت بأنه على قدر كبير من الذكاء والثقافة بالرغم من أنه لم يؤت من العلم إلا قليلا!. و تمر الايام ويوقع معه الموسيقار عقدا بفلمين و انه فى انتظار ان يسمع الحانه غيره على لسانه – وتلك هى عقيدة الموسيقار لايحب المغامره و يلعب على المضمون
– ويقول عبد الحليم بالرغم من أن ظهوري في فيلم من إنتاج الموسيقار محمد عبد الوهاب هو بالنسبة لي حلم بعيد المنال، إلا أنني سأحاول أن يكون لي بداية سينمائية في فيلم آخر، فإن محمد عبد الوهاب لا يغامر، إنه غامر من قبل بتقديم المطرب جلال حرب في بطولة فيلم الحب الاول ، وقدّم أيضاً ابن شقيقه سعد عبد الوهاب في بطولة عدة أفلام، ولم يحقق أي منهما النجاح الذي كان يتوقعه محمد عبد الوهاب. وكان العندليب لديه امل ان يحظى بالحان الموسيقار وتلك الامل يجعله ينسى ما حدث له عندما فسخ متعهد حفلات في الاسكندرية عقده معه لأنه أراد أن يغني في الحفلات المتعاقد عليها، أغنياته الخاصة، وليس أغنيات الموسيقار محمد عبد الوهاب والتي كان المتعهد يريد أن يغنيها المطرب الذي ما زال مغموراً!. وجاء الوقت الذي تحقّق فيه لعبد الحليم حافظ ما توقّعه من نجاح لنفسه، فإن أغنيته الشهيرة « صافيني مرة » التي لحّنها له الموسيقار محمد الموجى ، وأغنية «على قد الشوق» التي لحّنها صديقه الثاني كمال الطويل ، أحدثتا دوياً في عالم الغناء، وأصبحتا على ألسنة الجماهير في العالم العربي، وفي أقل من شهرين أصبح هو المطرب الأشهر في العالم العربي، وعلى طول بادر المخرج ابراهيم عمارة الى التعاقد معه على الـفور كبطل أول لفيلم « لحن الوفاء »، وكانت شريكته في البطولة النجمة المطربة شادية، و و غنوا من الحان رياض السنباطى وبعده على طول اشترك عبد الحليم مع النجمة الكبيرة فاتن حمامة، والنجمين عمر الشريف وأحمد رمزي في تمثيل فيلم « أيامنا الحلوة »، و الذى تاخر عرضه حيث عرض لحن الوفاء فى 3 مارس 1955 و ايامنا الحلوه بعده فى 7 مارس وهكذا أصبح عبد الحليم حافظ نجماً، وانهالت عليه العقود السينمائية وأخذ أجره عن الفيلم الواحد يرتفع ويرتفع الى أن وصل الى الأرقام التي لم تكن تدفع إلا للنجوم الكبار!.وبعد نجاح الفيلم الثاني «أيامنا الحلوة» كاد أن يحدث خلاف كبير بين الموسيقار محمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ.
إن شركة أفلام الموسيقار طلبت من العندليب الأسمر أن يبدأ العمل في الفيلم الذي كان قد تعاقد عليه معها وتقاضى أيضاً عربوناً عن أجره فيه..وتردّد عبد الحليم..وقال له مستشاروه الذين كان عددهم قد بدأ يتكاثر: ازاي تاخذ خمسة آلاف جنيه من كل الشركات عن الفيلم، وتوافق على العمل في فيلم محمد عبد الوهاب بخمسمائة جنيه!.وظل عبد الحليم لا يبدي أي رأي..
وظل الأخذ والرد مستمراً حول موضوع الفيلم بين شركة عبد الوهاب، ومحامي عبد الحليم، الى أن أراد عبد الوهاب حسمه، فاتصل بنفسه بعبد الحليم وقال له:عاوز كام يا حبيبي يكون أجرك عن الفيلم؟ فرد العندليب الأسمر الذكي، بهدوء: – زي ما هو مكتوب في العقد، يعني خمسمائة جنيه!.ولم يصدّق الموسيقار الكبير ما سمعه، فراح يمتدح العندليب الأسمر «اللي كلمته كلمة» وتعهد له بأن تكون أغاني الفيلم كلها من تلحينه!! وعندما وضع عبد الحليم السماعة، فإن الأسئلة انهالت عليه من مستشاريه: ازاي تقبل؟ ايه اللي خلاك تضعف؟ وهنا قال لهم بهدوء:
– افهموا يا أساتذة، أنا طبعاً من مصلحتي أن يرتبط اسمي بإسم الأستاذ محمد عبد الوهاب، وده بيعمل لي وزن فني أكبر عند الناس، ويجعلني مميّزاً عن بقية المطربين، ولو أردت أن أغني من ألحانه، فكم سيكلفني أي لحن آخذه منه فيما لو وافق على أن يلحن لي..فقال أحدهم: على الأقل لحن الأستاذ محمد عبد الوهاب ثمنه ثلاثة آلاف جنيه..
فابتسم العندليب عندئذٍ وقال لهم:- إذن ايه رأيكم ان الموسيقار سيلحن لي مجاناً أربعة ألحان على الأقل لأغنيها في الفيلم!. وصفّق الجميع عندئذٍ إعجاباً بذكاء عبد الحليم حافظ وحساباته الدقيقة والناجحة!. ومثّل العندليب لحساب شركة عبد الوهاب فيلم «ايام وليالى من اخراج هنرى بركات و غنى 5 الحان توبه – ايه ذنبى ايه – علشانك يا قمر – انا لك على طول – شغلونى » من إخراج هنري بركات وبطولة ايمان و احمد رمزى و الوجه الجديد سهير البارونى و عقيله راتب و عدلى كاسب و ثريا فخرى و سراج منير و كمال حسين و الراقصه زينات علوى وكان العرض بدار سينما راديو بالاسكندريه فى 12 ديسمبر 1955 وكان العمل الثانى من انتاج و الحان محمد عبد الوهاب فيلم بنات اليوم ومن اخراج هنرى بركات وايضا شارك فى الانتاج و كانت البطوله ماجده و احمد رمزى و امال فريد و سراج منير و ثريا فخرى و فتحيه شاهين و كريمان و الطفله نوال و غنى العندليب و من نظم حسين السيد ظلموه – عقبالك يوم ميلادك – اهواك – كنت فين – ياقلبى ياخالى وكان العرض 20 يناير 1957 بدار سينما كوزمو بالاسكندريه – وذكاء عبد الحليم حافظ هو الذي جعله يبحث عن ارتباط أكبر وأطول مع الموسيقار محمد عبد الوهاب، وخصوصاً بعدما أصبح رفيقاً دائماً له في سهراته وحفلاته ورحلاته، واستفاد العندليب من هذا الالتصاق بالموسيقار بأن دخل عن طريق الموسيقار الى كل المجتمعات الراقية، وكذلك استفاد الموسيقار منه بأن وجد فيه الحنجرة الشجية والمحبوبة من الجماهير التي يرسل ألحانه عن طريقها، وخصوصاً بعدما أصبح هو مُقِلا في الغناء..وتمكن عبد الحليم حافظ من العثور على الإرتباط الدائم…
وكان هذا الارتباط هو شركة «صوت الفن» للصوتيات التي أسّسها مع محمد عبد الوهاب، ومع صديق الطرفين المحامي مجدي العمروسي، وشركة «صوت الفن» للإنتاج والتوزيع السينمائي، والتي انضم اليها مع الثلاثة مدير التصوير السينمائي الحاج وحيد فريد.!.ولكن، وبعد عدة سنوات، وقع خلاف بين العندليب والموسيقار كاد أن يوصل الشركة الى الانهيار، ذلك أن عقد تأسيس «صوت الفن» احتوى على مادة تلزم العندليب بأن يسجل أغانيه كلها على أسطوانات وأشرطة الشركة، كما تلزم الموسيقار بأن تكون ألحانه، سواء مسجلة بصوته أو بأصوات غيره، ملكاً لشركة «صوت الفن» وحدها!. ولكن، وفي عام 1962، كان هناك لقاء القمة الذي انتظره الملايين عبر السنين بين صوت كوكب الشرق أم كلثوم وألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب، ولأن الموسيقار كان يهمه أن يتم هذا اللقاء، فإنه وافق على أن تسجل الأغنية على أسطوانات شركة « صوت القاهرة » التي كانت تحتكر صوت أم كلثوم، وليس على أسطوانات « صوت الفن » التي تحتكر ألحان محمد عبد الوهاب.وغضب عبد الحليم حافظ وتساءل في تصريحات صحفية: كيف يرضى الأستاذ الموسيقار محمد عبد الوهاب أن يتحوّل الى مجرد ملحن، وأن تفرض عليه شروط من قبل أم كلثوم؟ ثم كيف نسي أن ارتباطه بشركة « صوت الفن » يمنعه من أن يسجل ألحانه في أية شركة ثانية!..وعبد الحليم حافظ كان يومها لا يريد حماية حقوق «صوت الفن» وإنما أن يردّ أيضاً التحية بمثلها لأم كلثوم التي كانت قد أخذت تهاجمه في مجالسها الخاصة، وأمام كبار المسؤولين، وأصبحت تشترط لاشتراكها بالغناء في أية حفلة تجارية أو قومية أن لا يكون فيها عبد الحليم حافظ!.
ولكن، ما هو السبب؟!.إن الذي كان قد حدث قبل ذلك بعامين هو أن الثلاثة الكبار: محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، كانوا قد اشتركوا في حفل أقيم في نادي الضباط بمناسبة عيد الثورة التاسع، ولكان المتفق عليه أن يقدّم محمد عبد الوهاب استعراض و نشيد «صوت الجماهير»، ثم يغني عبد الحليم حافظ، ثم تختم الحفلة بغناء أم كلثوم، وكل ذلك أمام الرئيس جمال عبد الناصر، وكبار المسؤولين..ولكن عبد الحليم حافظ فوجئ بأن تعديلاً قد أدخل على البرنامج بحيث يصبح هو الأخير الذي يختم الحفل الساهر الكبير!.وقدّم محمد عبد الوهاب و شاديه و صباح و عبد الحليم حافظ وفايده كامل النشيد ..وغنت أم كلثوم..وعندما جاء دور عبد الحليم حافظ، دخل الى المسرح، وقبل أن يبدأ الغناء ألقى كلمة قصيرة قال فيها:
– الأستاذ محمد عبد الوهاب، والست أم كلثوم، عملوا فيّ مقلب، وخلوني أغني بعدهم، ومش عارف إذا كان فيه حد حيسمعني بعدهم ! و بالطبع كان في كلمة عبد الحليم حافظ شيء من الاحتجاج ، ولكن دون الاقلال من عظمة أي من العملاقين، غير أن أم كلثوم غضبت وقالت: ازاي الولد ده يقول اني تآمرت عليه!.وانقطعت العلاقات الشخصية والفنية منذ تلك الاحتفال بين أم كلثوم، وبين عبد الحليم حافظ، ولكن الموسيقار محمد عبد الوهاب لم يقطع خيط العمل والصداقة مع العندليب، وتمكّن من إقناعه بأن لقاءات القمة بينه وبين أم كلثوم لا بد وأن تكون فوق الاتفاقات والعقود، لأنها ستكون في النهاية تراثاً تتناقله الأجيال!. وبعد أن مرت الأزمة بسلام لم تحدث أية خلافات بين الموسيقار والعندليب، بل كان التقارب بينهما يزداد يوماً بعد يوم، وكان أجمل لقاء فني سيتم بينهما في أغنية «من غير ليه» التي أخذها عبد الحليم حافظ معه الى المستشفى في لندن، وحفظها وهو على سرير المرض، ولكن القدر حال بينه وبين تسجيلها، وكل شيء كان يتوقعه الموسيقار محمد عبد الوهاب، ما عدا أن تسمع الجماهير منه هو هذه الأغنية بعد أربعة عشر عاماً.
وأن يرحل هو بعد عامين من غنائها..وتبقى حكايات العمالقة الثلاثة: محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، عبد الحليم حافظ خالدة، على مرّ الزمان والى مقاله اخرى – المؤرخ و الباحث فى التراث الفنى وجيــه نــدى

الرواية في الأدب العربي

الرواية في الأدب العربي

الرواية فن نثري من وحي المخيلة، وعادة ما يتسم بالطول ويقوم على رسم شخصيات، ثم تحليل نفسياتها وأهوائها وتقصي مصيرها وتتبع مسارها ووصف مغامراتها ورصد هواجسها. ويرى الأستاذ عبد المالك مرتاض في بحته القيم حول تقنيات السرد.. أن الرواية تشترك مع الأجناس الأدبية الأخرى (الحكاية ـ الأسطورة ـ الشعر ـ الملحمة.. )في عدة جوانب؛ ذلك أن الرواية لا تجد غضاضة في أن تشحن النص السردي بالمأثورات الشعبية، والمظاهر الأسطورية والملحمية جميعا بقدر ما تتميز عنها بخصائصها الحميمة.. إذ هي طويلة الحجم ولكن دون طول الملحمة في الغالب؛ وهي غنية بالعمل اللغوي ولكن يمكن لهذه اللغة أ ن تكون وسطا بين اللغة الشعرية التي هي لغة الملحمة، واللغة السوقية التي هي لغة المسرحية المعاصرة.. والشخصيات في الملحمة أبطال وفي الرواية كائنات عادية. والرواية نقل الروائي لحديث محكي، تحت شكل أدبي يرتدي أردية لغوية تنهض على جملة من الأشكال والأصول كاللغة، والشخصيات، والزمان والمكان والحدث؛ يربط بينها طائفة من التقنيات كالسرد والوصف والحبكة والصراع

في نظري فإن الرواية صرخ أدبي عتيد في مقدوره استيعاب كل التجارب الإنسانية والقيم الكونية في قالب إبداعي لحمته اللغة الأدبية الراقية إنه عالم لا حد لشخصياته ولا حصر لأحداثه ولا حدود مرسومة لأزمنته وأحيازه..

تعود نشأة الرواية العربية إلى التأثر المباشر بالرواية الغربية بعد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. ولا يعني هذا التأثر أن التراث العربي لم يعرف شكلاً روائيًا خاصًا به. فقد كان التراث حافلاً بإرهاصات قصصية، تمثلت في حكايات السمار والسير الشعبية وقصص العذريين وأضرابهم، والقَصَص الديني والفلسفي. أما المقامات العربية فذات مقام خاص في بدايات فن القص والرواية في الأدب العربي. فقد تركت بصمات واضحة في مؤلف المويلحي (حديث عيسى بن هشام) وفي مؤلفات غيره من المحدثين الذين اتخذوا من أسلوب المقامة شكلاً فنيًا لهم..

وتظل الرواية العربية قبل الحرب العالمية الأولى في منأى عن القواعد الفنية، وأقرب ما تكون إلى التعريب والاقتباس حتى ظهور رواية زينب (1914م) لمحمد حسين هيكل، التي يكاد يتفق النقاد على أنها بداية الرواية العربية الفنيّة، حيث اقترب المؤلف فيها من البنية الفنية للرواية الغربية التي كانت في أوج ازدهارها آنذاك. وقد عالجت رواية زينب واقع الريف المصري وهو أمر لم تألفه الكتابة الروائية قبل ذلك.

وعقب الحرب العالمية الأولى ومع بداية الثلاثينيات من القرن العشرين بدأت الرواية العربية تتخذ سمتًا أكثر فنية وأعمق أصالة. وكان ذلك على يد مجموعة من الكتاب ممن تأثروا بالثقافة الغربية أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم وعيسى عبيد والمازني ومحمود تيمور وغيرهم.، إلا أن الروائي المصري نجيب محفوظ يُعَدّ سيِّد هذا الميدان بلا منازع. فرواياته خان الخليلي و زقاق المدق، و الثلاثية تمثل رؤية جديدة أضافت إلى أجواء الرواية عوالم أرحب وأوسع. وفي الستينيات من القرن العشرين بدأ نجيب محفوظ يبدع عالَـمًا روائيًا جديدًا مستخدمًا تقنيات أكثر إبداعًا وأكثر تعقيدًا، وتقف رواياته اللص والكلاب؛ السمان والخريف؛ الطريق؛ الشحاذ؛ ثرثرة فوق النيل معلمًا بارزًا في مسيرة الرواية الجديدة، ذلك أن المضامين الاجتماعية التي عني بها من قبل امتزجت بها في هذه المرحلة مضامين فكرية وإنسانية ونفسية احتاجت إلى شكل روائيً أكثر فنية من مرحلته السابقة. وقد أجبرت هزيمة عام 1967م الروائي العربي إلى إعادة النظر في تيار الرواية، الذي كان سائدًا قبل الهزيمة، فظهرت من ثَمَّ أنماطٌ روائية جديدة، فيها ثورة على الأساليب التقليدية، كالحبكة والبطل والسرد التاريخي. وكانت لنجيب محفوظ إضافة لا تنكر في هذه المرحلة. ظهر بعد ذلك جيل آخر من الروائيين العرب، سُمِّي بالحداثيين، خرجوا على رؤية الرواية التقليدية وتقنياتها. وعلى أيدي هؤلاء الكتاب مثل: صنع الله إبراهيم وحنا مينا وجمال الغيطاني وإدوار الخراط والطيب صالح وبهاء طاهر وإميل حبيبي والطاهر وطّار وعبد الرحمن منيف وغيرهم ظهرت رؤية روائية تحمل اتجاهات معاصرة وحداثية مختلفة، من أهم سماتها أن الخطاب الروائي تجاوز المفاهيم التقليدية حول الرواية في عصورها الكلاسيكية والرومانسية والواقعية الجديدة؛ وتداخلت أساليبها مع تداخلات العالم الخيالي والصوفي والواقعي والتاريخي، مما جعلها، سواء في حبكتها أو شخوصها، أكثر تعقيدًا وأعمق تركيبًا.

ووصلت الرواية بذلك إلى دُنيا النص المفتوح الذي يفضي إلى قراءات متعددة لا تصل إلى تفسير نهائي للخطاب الروائي كما كان الحال في الروايات السابقة.
***أسس البناء السردي في الرواية العربية
ماهية الشخص والشخصية:
يقتضي المنطق الدلالي للغة العربية أن يكون “الشخص”كائنا حيا يرزق ، وفي لسان العرب لابن منظور، الشخص: كل جسم له ارتفاع وظهور والمراد به إثبات الذات فاستعير لها لفظ شخص. والشخصية في اللغة مصدر صناعي كإنسانية.. وهو قياسي يطلق على كل لفظ جامد أو مشتق، اسم أو غير اسم، وزيد في آخره حرفان هما ياء مشددة بعدها تاء مربوطة فيصير بعد هذه الزيادة دالا على معنى مجرد جديد، وهو مجموعة الصفات الخاصة بذلك اللفظ والتي يختص بها الإنسان، مثل الشفقة والرحمة والعمل النافع، وما إلى ذلك من القيم الإنسانية إيجابية كانت أو سلبية، بينما إطلاق “الشخصية” لا يخلو من عمومية وشمول. والشخصية في الأعمال السردية تسخر لإنجاز الحدث الذي أسنده الكاتب إليها، وهي تخضع في ذلك لصرامة الكاتب وتصوراته وأيديولوجيته، إي فلسفته في الحياة. والشخصية في الرواية التقليدية تعامل على أساس أنها كائن حي له وجود فيزيقي، فتوصف ملامحها وقامتها وصوتها وملابسها وغير ذلك من الجزئيات والخصوصيات فضلا عن الاهتمام برسم أهوائها وهواجسها ومشاعرها.. لذلك فالشخصية تلعب دورا أكبر في أي عمل روائي يكتبه كاتب تقليدي( بالزاك ـ إميل زولا ـ نجيب محفوظ…) ولعل الاحتفاء بها كان له ارتباط بهيمنة النزعة التاريخية والاجتماعية، وهيمنة الأيديولوجية السياسية من وجهة أخرى.. أما الروائيون المسلحون برؤية حداثية فعملوا على الحد من غلوائها والإضعاف من سلطانها في الأعمال الروائية، ولم تعد سوى كائن ورقي.. وهذا فرونز كافكا أحد المبشرين بجنس روائي جديد يطلق على شخصيته مجرد رقم في روايته ” المحاكمة” le proces وأطلق على شخصية رواية “القصر” مجرد حرف.. ولم يعد ممكنا دراسة الشخصية في ذاتها، أي على أنها شخص أو فرد، بل بدأت الأفكار تتجه إلى دراستها أو تحليلها في إطار دلالي، فتغدو مجرد عنصر شكلي وتقني للغة الروائية، مثلها في ذلك مثل السرد والوصف والحوار..
ومهما يكن فأي الملامح يجب أن ترسم بها الشخصية الروائية؟

يرى الناقد الجزائري عبد المالك مرتاض أن التقليديين كانوا يلحقون ملامح الشخصية بملامح الشخص ويستريحون، وذلك بغاية إيهام القارئ على أنها ترقى إلى مستوى التمثيل الواقعي لصورة الحياة، بينما الروائيون والنقاد الجدد معا يزعمون أن الشخصية لا تعدو كونها عنصرا من مشكلات السرد في العمل الروائي وعدوها مجرد كائن ورقي لا حول له ولا قوة، او قل مجرد دمية تتحرك
أنواع الشخصية
كان النقد يصنف الشخصيات بحسب أطوارها عبر العمل الروائي.. فهناك الشخصية المركزية والثانوية والشخصية الخالية من الاعتبارpersonnage de comparse
كما نصادف الشخصية المدورة والشخصية المسطحة.. كما نصادف الشخصية الإيجابية والسلبية..
الشخصية المدورة والمصطحة:

أول من اصطنع هذا المصطلح هو الروائي والناقد الإنجليزي فوستر.. ومهما يكن فهذا المصطلح ليس غريبا على في الثرات العربي إذ كان الجاحظ كتب رسالة عجيبة وصف فيها شخصية نصفها حقيقي ونصفها الآخر خيالي وهي رسالة التربيع والتدوير الشهيرة، وكأن العرب عرفوا هذا اللون وتمثلوه على نحو ما، ولو لو يكتبوا الرواية إلى عهد الجاحظ. لذلك فالشخصية المدورة أو المكثفة حسب تودوروف وديكرو هي التي لا تستقر على حال ولا يستطيع المتلقي أن يعرف مسبقا ماذا سيؤول إليه أمرها لأنها متغيرة الأحوال ومتبدلة الأطوار، فضلا عن كونها تتميز بغناء الحركة وقدرتها على التأثير في سائر شخصيات العمل السردي.. وهي التي تفعل الخير كما تفعل الشر.

والمصطحة هي البسيطة التي لا تتبدل عواطفها ومواقفها بعامة.. ومثل هذا التعريف متفق عليه في النقد الغربي والشرقي.

بينما احتفى التقليديون بالشخصية وبوؤوها المكانة اللائقة بها، حتى إّّذا جاء الكتاب الحداثيون ومنهم أصحاب مدرسة الرواية الجديدة تبنوا موقفا معاديا للشخصية في أطروحاتهم، فحاولوا تسفيهها وتدميرها والحط من شأنها. ومن هؤلاء: رولان بارط، طودوروف، ميشال زيرافا، ونطالي ساروط، وميشال بيطور وألان روب كريي وجيرار جينيت.. ومهد لتكريس هذه الفكرة قبل هؤلاء، جيمس جويس وكافكا.. وزعم هؤلاء أن الشخصية ليست سوى كائن ورقي وإنها يجب أن تكون نسيا منسيا وأنها لا تعدو كونها مجرد عنصر لسانياتي مثله مثل باقي العناصر السردية الأخرى مثل اللغة والحيز والزمان والحدث.. إنها كائن لغوي من صنع الخيال. ومهما اختلفت الآراء وتضاربت تبق الشخصية مشكلا أساسيا وعنصرا غاية في الأهمية داخل العمل السردي..إنها واسطة العقد بين جميع المشكلات السردية الأخرى..إنها تصطنع اللغة تبث وتستقبل وتصنع المناجاة.

اللغة:***

الأديب مسؤول عن لغته إذ هو من يمنح ألفاظه دلالات جديدة كأنما ينشئها لأول مرة، أي أنه يتبع في الكتابة ما يطلق عليه في اللغة النقدية المعاصرة الانزياح. فحينما يستعمل معنى المرارة للخبز فهو لا يقصد مرارة المذاق ولكن الحصول عليه دونه كدح وتعب وعرق فيستحيل المذاق المعنوي إلى مرارة أي إلى شقاء.. ولكن اللغة العادية أو اللسان المشترك بين الناس فإنما يقصد المعنى الحقيقي وإلا فسد نظام الكون واضطربت علاقات الناس. وقسمت السميائية اللغة إلى مفهومين:

ـ مفهوم السمة الطبيعية وهي اللغة التبليغية التي يكون بثها دون قصد؛ كتلبد السماء بالغيم وقصف الرعد ووميض البرق تشي بوشك هطول المطر، وارتفاع حرارة الجسم يؤذن بوجود حمى، إذن فالسمة الطبيعية الأولى ـ هي سمة حاضرة دالة على سمة غائبة ـ سمة بصرية والسمة الطبيعية الثانية لمسية

ـ السمة الاصطناعية تتمثل في الرسوم والأشكال والإشارات الصوتية مثل دق الطبول إيذانا بدخول وقت السحور في رمضان، ويكون لها في المألوف باث قصدي

لغة الكتابة الروائية ومستوياتها:

كان أبو عثمان الجاحظ أول من اهتم وعني بالحديث عن مستويات اللغة ومراعاة درجة المتكلم الثقافية والاجتماعية. وحسب ما يذكر الجاحظ فقد سبق ابن المعتز إلى تأسيس النظر في هذه المسألة فاقترح أن يكون مستوى لغة المتكلم أو الكاتب على قدر المخاطب ومستوى ثقافته.. يقول بن المعتز: ” ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحاجات؛ فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما، ولكل حال من ذلك مقاما، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني على أقدار المقامات وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات..”الجاحظ ـ البيان والتبيين: ص 153. إن بشر بن المعتز، المفكر المعتزلي فيما ذهب إليه يبدو حداثيا ـ في الخطابة لا الكتابة طبعا ـ فهو يثير مسألة المستوى اللغوي بحيث لا يجب أن يكتب لنفسه ويتجاهل قراءه بل ينبغي له أن يراعي مستوى المبثوث فيهم الرسالة فيجعلها على أقدارهم ويفصلها على مقاسهم….

والحق إن مسألة المستويات اللغوية داخل العمل السردي تعني في المذهب النقدي المتسامح أن الكاتب الروائي عليه أن يستعمل جملة من المستويات اللغوية التي تناسب أوضاع الشخصيات الثقافية والاجتماعية والفكرية.. ولعل جلال الدين السيوطي قد نهض بهذه التجربة اللغوية بحيث كتب عشرين مقامة موزعة على عشرين شخصية مختلفة، فاتخذ لكل شخصية لغتها الوظيفية. لذلك قد يكون العرب سبقوا إلى هذه المسألة تطبيقيا، بعد أن كان الجاحظ تحدث عنها نظريا..ولعل الشائع بين الناس أن لغة الكتابة ضربان اثنان::

الضرب الأول سرد، ولغته الفصحى، والضرب الآخر حوار، ولغته عامية.. وفي رأيي المتواضع أن العملية الإبداعية وحدة متكاملة تنهض على لغة لسان أدبي فصيح ولغة فنية راقية لا تشوبها شائبة ينفثها لسان عامي دارج يحصرها في مجال إقليمي ضيق. ومهما يكن فإن السحر اللغوي إذا غاب عن العمل الروائي، غاب عنه كل شيء: غاب الفن، وغاب الأدب معا..
السرد وأشكاله في التراث القصصي العربي:

عرف الأدب العربي أشكالا مختلفة من طرائق السرد، وقد اقتصرت في معظم أطوارها على اصطناع ضمير الغائب. ومن الطرائق السردية التي استعملها العرب في سرودهم من العهود المبكرة:

1-عبارة “زعموا” ويرى أغلب النقاد أن يكون عبد الله بن المقفع أول من استعمل هذه الطريقة السردية الملائمة لطبيعة الحكاية في شكلها المعهود منذ القديم، حين نقل خرافات كليلة ودمنة عن الأدب الفارسي، والذي يزعم بعض المؤرخين أنه نقل عن الأدب الهندي إلى اللغة العربية. وظل مصطلح “زعموا” هو اللازمة السردية المهيمنة على نص كليلة ودمنة، وكأنها أم الأشكال السردية وأعرقها في الأدب العربي، وبالتالي فإن المصطلح ينسجم مع طبيعة السرد القائم على التسلسل الزمني الذي يأتي من الخارج أو عن طريق حياد المؤلف، وكأن هذه الأداة السردية تقابل ما يعرف لدى منظري الرواية الغربيين “الرؤية من الخلف”. وأجمع نقاد الرواية الحداثية على أن ضمير الغائب، والماثل في عبارة “زعموا” ليس إلا دلالة حتمية على نفي الوجود التاريخي وإثبات الصفة الخيالية الخالصة للعمل السردي بخاصة..

2ـ مصطلح السرد في فن المقامات :

شهدت نهاية القرن الرابع الهجري ميلاد فن المقامات، على يد بديع الزمن الهمداني.كان معظم المقاماتيين يستهلون السرد في مقاماتهم إما بعبارة “حدثنا” أو “حدث” وإما “حكى” أو “أخبر” أو “حدثني” وهي أداة سردية كانت تستعملها شهرزاد في ألف ليلة وليلة. وكان الجاحظ اصطنعها منذ القرن الثالث للهجرة، في كتابه حكاية الكندي حيث افتتحها بهذه العبارة “حدثني عمرو بن نهيوي قال” والحق إن هذه العبارات كلها مستقاة من تقاليد رواة الحديث النبوي الشريف وقد تكون عبارة حدثني أشد ارتباطا بحميمية السرد وأدل على كيان “الأنا”وأكفأ في التوغل في أعماق الذات لتفجير مكامنها وتعرية مخابئها. إن اصطناع ياء الانتماء أو ياء الاحتياز أو ياء الذات، والتي يسميها علماء النحو العربي “ياء المتكلم”، تتيح للسارد الحديث من الداخل وتجعله يتعرى في صدق أمام الفعل السردي أو أمام المسرود له..

استعمال ضمير الغائب: وهو سيد الضمائر السردية الثلاثة، وأكثرها تداولا، وقد يكون استعماله شاع بيد السراد الشفويين أولا.. وهو وسيلة صالحة لأن يتوارى وراءها السارد فيمرر ما يشاء من الأفكار والإيديولوجيات، وتعليمات وتوجيهات. ثم إن السارد يغتدي أجنبيا عنالعمل السردي، وكأنه مجرد راو له، بفضل هذا “الهو” العجيب..

مصطلح السرد في “ألف ليلة وليلة”

تصطنع شهرزاد ساردة ألف ليلة وليلة عبارة “بلغني. وهي أداة سردية تتصف بالإيحائية والتكثيف وتواري وراءها عوالم لم تكشف..

– اللغة الحوارية:

الحوار هو اللغة المعترضة التي تقع وسطا بين المناجاة واللغة السردية. ويجري الحوار عادة بين شخصية وأخرى أو بين شخصيات وشخصيات أخرى داخل العمل الروائي. والحوار الروائي المتميز يجب أن يكون مقتضبا ومكثفا؛ حتى لا تتحول الرواية إلى مسرحية، وحتى لا يضيع السارد والسرد عبر هذه الشخصيات المتحاورة على حساب التحليل من جهة، وعلى حساب جمالية اللغة. ولدى مناصري العامية يقتضي الحوار أن يكون بالعامية وخصوصا إذا كانت الشخصية أمية، وكل ذلك التماسا لواقعيتها، وكأن الأحداث التي تنهض بها أو تقع عليها هي أحداث تاريخية بالفعل.. وهذه مغالطة ومخادعة.. ومهما يكن فلا ينبغي أن تبتعد لغة الحوار عن لغة السرد حتى لا يقع نشازا بشعا في نسج مستويات اللغة السردية..

المناجاة: وهو المصطلح الذي اقترحه الناقد الجزائري والأستاذ الجامعي الدكتور عبد المالك مرتاض ويرى أن بعض النقاد المعاصرين آثروا إطلاق هذا المصطلح العربي القح بدل مصطلح (المنولوج الداخلي) الوارد على يد الأديب الفرنسي الشهير إدوار دي جردان؛ لأن المناجاة هي نفسها تدور داخل الذات، وتعني في اللغة العربية: حديث النفس للنفس.. وعليه فإن مصطلح المنولوج لا يحتاج بأن يوصف بالداخلي. والمناجاة خطاب داخل خطاب آخر يتسم بالسردية، إذ الأول جواني، والثاني خارجي أو براني، ويندمجان لإضافة بعد حدثي أو سردي أو نفسي إلى الخطاب الروائي

الحيز الروائي وأشكاله:

إذا كان للمكان حدود تحده، ونهاية ينتهي إليها فإن الحيز لا حدود له ولا انتهاء؛ هو مجال شاسع وفوق ذلك عنصر مركزي في تشكيل العمل الروائي، بحيث يمكن ربطه بالشخصية واللغة والحدث ربطا عضويا. قد ينتقل الحيز من مكان ضيق أو واسع إلى رؤية فنية؛ وهو التصور الذي ذهبت إليه الناقدة جوليا كريستيفا.. إذا كان الحيز يعني لدى التقليديين (نجيب محفوظ) كل شيء؛ بحيث كانوا يبالغون في وصفه ويبرعون في بنائه لإيهام المتلقى بواقعيته وحقيقته، فإن كتاب الرواية الجديدة قد نحوا به منحى آخر، وعملوا على تعويمه في الأسطورة وحمله على النطق، ودفعه إلى الوعي.. ولعل هؤلاء الروائيين الجدد يرمون عن وعي فني إلى إزعاجه والإساءة إليه، شأنه شأن معظم المشكلات السردية الأخرى

المظهر الجغرافي: أو مثول المكان في مظاهر مختلفة وأشكال متعددة.. الجبال، والسهول والوديان. ولما كان الحيز الروائي يعكس مثول الإنسان في صورة خيالية(الشخصية) فإن هذه الشخصية لا تتفاعل إلا في حيز جغرافي، أو في مكان.. والحيز أكبر من الجغرافية مساحة، إذ هو ارتفاع وانخفاض وبحار وصحاري وطيران وتحليق.. بينما الجغرافيا وصف للمكان الموجود لا المكان المفقود أو المنشود الذي يحلم الإنسان برؤيته خارج إطار الأرض.

المظهر الخلفي: أو الحيز الإيحائي كما يسميه جيرار جينيت:

وهو مظهر غير مباشر؛ بحيث يمكن تمثل الحيز بواسطة كثير من الأدوات اللغوية غير ذات الدلالة التقليدية على المكان مثل الجبل أو الطريق.. وذلك بالتعبير عنها بواسطة أفعال مثل: سافر وخرج ودخل وأبحر إلى غير ذلك. ومثل هذه الأفعال تحيل على عوالم لا حدود لها؛ وهي جميعها أحياز في معانيها. لذلك فإن الحيز الأدبي عالم بدون حدود وبحر بلا ساحل؛ إنه امتداد مستمر ومفتوح على جميع الواجهات وكل الآفاق. الأديب يرسم حيزا ويتصرف في تشكيله، فإن شاء أن يكون ضخما ضخمه، وإن شاء أن يكون ممتدا مدده، بحيث لا تنهض في وجهه حدود الجغرافيا ولا ارتفاع الجبال ولا عمق الأودية..

علاقة السرد بالزمن:

الزمن مظهر وهمي كل الأحياء والأشياء تتأثر بمضيه الوهمي، غير المحسوس. والزمن كالأوكسيجين، يعايشنا في كل لحظة من حياتنا؛ غير أننا لا نحس به، ولا نستطيع أن نراه أو نسمع حركاته الوهمية، ولكننا نستطيع أن نرى أثره ونشاطه في الإنسان حين يهرم، وفي البناء حين يبلى أو الحديد حين يعلوه الصدأ وفي الشجر حين تتساقط أوراقه أو الزهر لما يسري فيه الذبول. فالزمن إذن مظهر نفسي لا مادي ومجرد غير محسوس..

أنواع الزمن:

ـ الزمن المتواصل:

والزمن المتصل غير الزمن المتواصل؛ على أساس أن المتصل لا يكون له انقطاع، على حين أن المتواصل يمضي في حركته من دون الإفلات من سلطان التوقف.

ـ الزمن المتعاقب:

وهذا الزمن دائري مغلق لا طولي وكأنه يدور حول نفسه، لأن بعضه يعقب البعض مثل زمن الفصول الأربعة التي تجعل الزمن يتكرر في مظاهر متشابهة.

ـ الزمن المنقطع:

وهو الزمن الذي ينتهي إلى غايته فينقطع ويتوقف مثل الزمن الخاص بأعمار الناس ومدد الدول الحاكمة وفترات الفتن المضطربة..

ـ الزمان الغائب: وهو الزمن المتصل بأطوار الناس حين ينامون أو يقعون في غيبوبة، أو قبل أن يتكون الوعي بالزمن (الجنين ـ الرضيع)

ـ الزمن الذاتي: أو الزمن النفسي؛ ذلك أن المدة الزمنية من حيث هي كينونة زمنية موضوعية لا تساوي إلا نفسها، ولكن الذات أو العامل النفسي هي التي حولت العادي إلى غير عادي، والقصير إلى مديد. كما تعمد هذه الذات إلى تحويل الزمن الطويل إلى قصير في لحظات السعادة والفرح وبفوز أو انتصار.. والزمن القصير يتحول إلى طويل في حال ترقب المفاجآت السارة.. فيغدو الأسبوع شهرا والشهر سنة… ويبقى الزمن في كل الأحوال موضوعيا في ذاته؛ وإنما صورة التعامل معه هي التي تحوله إلى زمن ذاتي.. هناك من النقاد الروائيين المعاصرين من يعتقد بوجود ثلاثة الأصناف من الزمن تتلبس بالحدث السردي وتلازمه، وهي: زمن الحكاية، وزمن السرد، وزمن القراءة..

الحدث:
الحدث والحبكة: ولئن تمثل الحدث في الأدوار التي تقوم بها الشخصيات وما تنطوي عليه تلك الأدوار من أفعال وممارسات وما يواكبها من صراع، فإن الحبكة هي مجموع الأحداث التي يجمع بينها خيط رابط يبدأ بخوض غمار الحياة، والسعي في سبيل هدف معين تنشده الشخصية لقضاء مآربها الملحة وتحقيق هدفها الأسمى، وتنشط العراقيل وتنتصب المتاريس ويحتد الصراع حتى يبلغ ذروته.. ويطفو عنصر التشويق مهيئا النفوس المترقبة إلى نهاية ترضي فضولها وتستجيب لهواجسها وتطلعاتها.. وينتهي خيط الحدث بحل مرض أو مخيب للآمال. وتبقى مهارة المبدع في طريقة نسجه الأحداث وتركيبها في حلة تستأثر بالألباب..
انتهى
محمد غالمي
أستاذ التعليم الثانوي