أعلام الفن العربي

رياض السنباطى

رياض السنباطى

 

في بيئة فنية موسيقية وفي جو من الطرب العربي الصميم ظهر نجم لامع تألق بسرعة البرق في سماء الفن واحتل مكانة بارزة في أجواء الموسيقى العربية الأصيلة وبرز في العزف على العود وهيمن على أعلى المستويات في ميدان التلحين
هو الأستاذ رياض السنباطي صاحب الصوت الرخيم والعود الصادح واللحن المميز وليست هذه المزايا الفنية بغريبة على رياض لقد تغلغل الفن في بيته ومسكنه إذ كان أبوه مطربا لامعا وعوادا قديرا فولدت في رياض الموهبة الأولى وفي معهد الموسيقى العربية صقل هذه الموهبة واكتسبت بريقا لماعا فكانت موهبته بين الفطرة والاكتساب
ولد رياض السنباطي في مدينة المنصورة ونشأ برعاية والد موسيقي فنان أخذ الولد عن أبيه بعض المبادئ الموسيقية ولما اشتد ساعد الولد أرسله أبوه إلى المدرسة لتلقي المبادئ الأولية من التعليم ولكنه لم يكمل المرحلة بل انضم تحت لواء أبيه فعلمه العزف على العود وأصول الغناء فشارك والده العمل كمطرب على تخته في مسارح المنصورة فأطرب جماهيرها بجمال صوته وفتن سامعيه ببراعة أدائه
انه نشأ نشأة فنية أصيلة وبدأت تظهر عبقريته فراح يقلد المرحوم محمد القصبجي في ألحانه وغنائه وكان رياض معجبا بألحان القصبجي مفتونا بها لقد رددها وتغنى بها كثيرا وحفظها حفظا متقنا
وبعد أن تزود بالمعرفة الموسيقية بدأ يتصل بالمطربين والمطربات في القاهرة ويلحن لهم الألحان الرائعة وأصبحت ألحانه على كل لسان وشفة وأصبحت ألحانه تعادل ألحان محمد القصبجي وتألق نجمه وبرزت شهرته فاستدعته مطربة الشرق أم كلثوم ليزودها بألحانه وفنه فلحن لها أروع القصائد أبدع الطقاطيق
وكان لنهجه التلحيني طابع خاص مميز مما دعا أم كلثوم فترة طويلة من الزمن أن لاتغني غير ألحان رياض
إنها عبقرية فذة ومقدرة فنية لا تجارى وفي الحقيقة لحن الكثير من الملحنين لأم كلثوم ولكن ألحان رياض ما زال لها طابعها وميزتها
أن القصائد الطويلة أمثال “نهج البردة” و “الهمزية” كان رياض أول من بدأ بتلحينها لأم كلثوم وبالطبع جاء صوت أم كلثوم لهذه الألحان كالتكملة للعقد وكالبريق للآلئ واصبح أخيرا الملحن الممتاز لصوت مطربة الشرق
أن رياض السنباطي سار في بداية أمره على نهج مدرسة محمد القصبجي ولكن في نصف الطريق اختار لنفسه أسلوبا خاصا ولكن هذا الأسلوب على ما يبدو جف قليلا في آخر الأمر وبدأ يستعمل في ألحانه جمله الموسيقية القديمة لألحانه الحديثة وبهذه المناسبة نستطيع أن نقول أن رياض يختلف عن زميله شيخ الملحنين الشيخ زكريا احمد الذي ظل يلحن الأدوار والقصائد حتى آخر حياته دون أن يقلد نفسه بما أنتجه من الحان أي أن الشيخ زكريا بحر زاخر لا ينضب
وفي الحقيقة أن هذا الملحن لعب دوره الفني الكامل في الموسيقى انه موهبة السماء لهؤلاء السعداء لان هذه الموهبة هي التي تفيض عليهم بنعمة الشهرة والمال ولا يمكننا أن نتركها كما يقول البعض للحظ فالحظ يمكن أن يكون إذ كان الإنسان خاليا من الموهبة أما مع الموهبة الأصيلة فيمكننا أن نعيد القول بأنها موهبة السماء لهؤلاء السعداء

 

سيد درويش

سيد درويش

ولد سيد درويش في مدينة الإسكندرية في حي كوم الدلة في 17 آذار مارس عام 1892 و كان أبوه المعلم درويش البحر يمتلك دكانا صغيرة لصناعة النجارة البلدية في حيه و عندما تهيأ الطفل سيد لبداية حياته المدرسية أراد له والده أن يسلك مسلك العلم والفضل و خط له طريقا يجعله في مستقبله شيخا و موجها دينيا أو إماما أو مدرسا وابتدأ الطفل يداوم على الكتاب و بعد تعلمه القراءة و الكتابة و حفظه بعض أجزاء القرآن الكريم ترك سيد الكتاب و انتسب إلى المعهد الديني في الإسكندرية تنفيذا لرغبة والده و داوم في هذا المعهد سنته الأولى و يوم دخوله المعهد اشترى له أبوه جبة و قفطانا و عمامة تليق بطلبة العلم الشريف و حينما ارتدى الطفل سيد هذه الملابس أمام والديه أطلقت الوالدة زغرودة من أعماق قلبها فرحا وابتهاجا و اغرورقت عينا الوالد بدموع الغبطة و الفرح و الأمل و البشرى و في العام الثاني من حياة الشيخ سيد الدراسية في المعهد الديني توفى والده المعلم درويش البحر النجار الفقير و لم يخلف له إلا بعض الديون و التزام إعالة أمه و أخته اضطر سيد إلى قطع مرحلة دراسته و خلع المسكين عمامته و جبته وراح يبحث عن عمل يعيش من وارده و أول عمل قام به هو بيع الأثاث القديم مع قريب له ثم عمل مساعدا لبائع دقيق ثم مناولا المونة لأحد مبيضي النحاس كان الشيخ سيد خلال عمله يترنم بجمال صوته بألحان قديمة معروفة و كان زملاؤه العمال أثناء سماعهم هذه الألحان يقبلون على عملهم بحماسة و رغبة لا مثيل لهما فسر به معلمه وأمره أن يكف عن العمل و يكتفي بالغناء فقط ففرح الشيخ سيد و جلس يغني طول نهاره للعمال و يشجعهم على عملهم و كان الغناء السائد آنذاك أغاني عبده الحمولي و محمد عثمان وكانت هذه الانطلاقة الأولى سببا في شعور الشيخ سيد درويش بموهبته الفنية ويقال أيضا انه في العام الثاني من دراسته في المعهد الديني في الإسكندرية وجد على الرصيف عند بائع الكتب القديمة كتابا يبحث في مبادئ الموسيقى ثمنه نصف قرش فأيقظ هذا الكتاب في نفسه مواطن الموهبة الموسيقية وهناك عامل ثالث نبه فيه الشعور بالموهبة هو إعجابه بصوت حسن الأزهري الذي كان يدعى لإحياء الحفلات الغنائية عند الأغنياء في السرادق وكان سيد درويش لا تفوته حفلة من حفلات الشيخ حسن حتى تأثر به وصار يقلده تقليدا بارعا في طريقة غنائه وأدائه إن هذه العوامل الثلاثة بمجموعها تعتبر اللبنة الأولى في بناء حياة الشيخ سيد الفنية ومنطلقه الأول نحو المجد الموسيقي الفني الذي توصل إليه فيما بعد لم يرض الشيخ سيد أن يقتصر غناؤه على عمال المبيض دون سواهم بل رغب أن يسمع فنه في سائر مجتمعه الذي يعيش فيه فترك مهنة المبيض وعاد إلى عمامته وقفطانه وامتهن الغناء بصورة نهائية وصار يقلد في غنائه الشيخ حسن الأزهري معلمه الأول وكان يؤدي ألحان عبده الحمولي ومحمد عثمان بطريقة جديدة غير معهودة ولا مألوفة على أسماع مواطنيه فلمع اسمه وذاعت شهرته بسرعة فائقة ولكن هذه الشهرة كانت ضمن نطاق ضيق محدود لم تشبع نفسه الطموحة من جهة ومن جهة أخرى إن وارد الحفلات المتقطعة لم يكفه في سد حاجات معيشته وحياته أراد الشيخ سيد لنفسه واردا ثابتا يعتمد عليه فكان له ذلك ولكن على حساب كرامته وصحته ووضعه

الشيخ سيد درويش في حياته الفنية وأغانيه
في الفترة التي عمل فيها الشيخ سيد درويش على المسارح الرخيصة عرف أمرين لم يكن بهما سابق معرفة النساء وصياغة الألحان فالتعارف الأول طبيعي وأما التعارف الثاني فكان بحكم الموهبة المتأصلة في نفسه وروحه وكلاهما فطري بالنسبة لهذا الفنان الكبير كما أن ألمه الكمين في نفسه كان السبب في أن يخرج إلى الوجود بلغته الفلسفية النغمية فيسحر بجمالها الألباب ويرقص النفوس إنه ما كان يلحن أغنية حتى يرددها أفراد الشعب والعوالم اللواتي يقمن الأفراح والمسارح الغنائية وموسيقات الجيش والموسيقات الأهلية السر في انتشار الشيخ سيد بين أفراد الشعب هوان لكل لحن قصة ومناسبة ولكل مناسبة أثرها العميق في نفس الشيخ سيد درويش المرهفة الحساسة فأول أغنية لحنها كانت زوروني كل سنة مرة حرام تنسوني بالمرة  

وكانت مناسبة تأليفها أن امرأة يحبها قالت له هذه العبارة ابقى زورنا يا شيخ سيد ولو كل سنة مرة ولحن آخر كان وحيه امرأة غليظة الجسم اسمها جليلة أحبها حبا عظيما وغدت إلهامه في النظم والتلحين والغناء هجرته هذه الإمرأة وأخذت تتردد على صائغ في الإسكندرية وعمل لها الصائغ خلخالا فغضب الشيخ سيد وفكر بالانتقام من حبيبته وعزوله وكان أول انتقام من نوعه على الطريقة الموسيقية الغنائية
ولحن الشيخ سيد أجمل أغانيه في مناسبة غرامية حرجة وكانت الأغنية من مقام حجاز كار وقصة هذه الأغنية انه بينما كان يعمل مغنيا على مسارح الإسكندرية يعلق قلبه بحب غانيتين الأولى اسمها فردوس والثانية اسمها رضوان فكان إذا تخاصم مع الأولى ذهب إلى الثانية والعكس بالعكس وصدف مرة أن هجرته الاثنتان معا وبقي مدة من الزمن يتلوى من ألم الهجران وفي إحدى لياليه بينما كان رأسه مليئا بما تعود عليه في بيئته ومحيطه من ألوان الخمور والمخدرات خطرت على باله فردوس وهاج شوقه فقصد بيتها طالبا الصفح والسماح بالدخول عليها ولكنها أبت استقباله لعلاقته مع عشيقته الثانية رضوان فأقسم الشيخ سيد أيمانا مغلظة بأنها صاحبة المقام الأول في قلبه وجوارحه ولكن فردوس أرادت البرهان بأن يغنيها أغنية لم يسبق أن قالها أحد قبله في غانية فأنشدها في الحال
يا ناس أنا مت في حبي وجم الملايكة يحاسبوني حدش كده قال
وانتهت الأغنية بالبيت الأخير الذي كان له شفيعا في دخول بيت فردوس فقال
قالوا لي اهو جنة رضوان واخترت أنا جنة فردوس
شعر الشيخ سيد بتدهوره الاجتماعي اثر غرامه المتواصل من غانية إلى غانية فقرر أن يترك الإسكندرية وان يقيم في القاهرة وبخاصة حتى يبعد عن جليلة وفعلا ترك الإسكندرية عام 1917 وقرر الإقامة في القاهرة وفيها تعرف على المطربين والمطربات والفرق التمثيلية وهنا تغيرت أحواله ودخل في دور الحياة الجدية وشعر بهذا التحسن الذي وصل إليه وأنشد آنذاك دوره المعروف
يوم تركت الحب كان لي
في مجال الأنس جانب
ورجع لي المجد تاني
بعد ماكان عني غايب
وأول حفلة أقامها الشيخ سيد في القاهرة كانت في مقهى الكونكورديا وحضر هذه الحفلة أكثر فناني القاهرة منهم الممثلون والمطربون وكان على رأسهم الياس نشاطي وإبراهيم سهالون الكمانجي وجميل عويس حتى وصل عدد الفنانين المستمعين أكثر من عدد الجمهور المستمع وفي هذه الحفلة قدم سيد دوره الخالد الذي أعده خصيصا لهذه الحفلة الحبيب للهجر مايل من مقام السازكار وفيه خرج عن الطريقة القديمة المألوفة في تلحين الأدوار من ناحية الآهات التي ترددها الجوقة وكانت غريبة على السمع المألوف ولذا انسحب أكثر الحاضرين لأنهم اعتقدوا أن هذه الموسيقى كافرة وأجنبية وان خطر الفن الجديد أخذ يهدد الفن العربي الأصيل وبالطبع إن فئة الفنانين المستمعين لم ينسحبوا لأنهم أدركوا عظمة الفن الجديد الذي أعده الشيخ سيد لمستقبل الغناء العربي اشترك الشيخ سيد مع الفرق التمثيلية ممثلا ومغنيا فعمل مع فرقة سليم عطا الله وسافر معها إلى سوريا ولبنان وفلسطين وكان لهذه الرحلة أثر كبير في اكتسابه أصول الموسيقى العربية إذ تتلمذ في حلب على الشيخ عثمان الموصلي العراقي ويقول الشيخ محمود مرسي إن الشيخ سيد عاد بعد هذه الرحلة أستاذا كبيرا في ميدان الموسيقى العربية
وسافر مرة ثانية مع فرقة جورج أبيض إلى البلاد السورية فأعاد الصلات الفنية بينه وبين موسيقييها واكتسب من أساتذتها ما افتقر إليه من ألوان المعرفة ولما عاد إلى القاهرة في هذه المرة رسم لنفسه خطة جديدة في ميدانه الغنائي والمسرحي فلحن معظم أدواره وموشحاته الخالدة التي عرفت الناس بمدرسته الإبداعية الجديدة ظهر للشيخ سيد أول دور بعد هذه الرحلة وكان مقام العجم يا فؤادي ليه بتعشق وكان مقتبسا من موشح حلبي قديم مقام العجم أيضا أخذه الشيخ سيد عن الشيخ عثمان الموصلي ولكنه لم يستطع في بادئ الأمر أن ينسبه إلى نفسه وإنما نسبه إلى إبراهيم القباني وأما اشتهر الشيخ سيد في تلحين الأدوار بين الناس عاد ونسبه إلى نفسه وينسب إلى الشيخ سيد عشرة أدوار واثنا عشر موشحا وأوبريت وطقاطيق وأهازيج وأناشيد حاسبة وغيرها أما الأدوار فهي
يا فؤادي ليه بتعشق من مقام العجم
يللي قوامك يعجبني من مقام التكريز
في شرع مين من مقام الزنجران
الحبيب للهجر مايل سازكار
ضيعت مستقبل حياتي من الشورى أنا عشقت من مقام الحجاز كار
أنا هويت من مقام الكرد
عشقت حسنك من مقام البستة نكار
يوم تركت الحب من مقام الهزام
عواطفك من مقام نوأثر

أما ألحانه من الموشحات فكانت
يا ترى بعد البعاد من مقام الراست
يا صاحب السحر الحلال من مقام الحجاز كار
يا حمام الأيك من مقام النواأثر
يا عذيب المرشف من مقام الراست
يا شادي الألحان من مقام النهاوند
العذارى المائسات من مقام الراست
يا غصين البان حرت في أمري من مقام الحجاز
حبي دعاني للوصال من مقام الشورى
طف يادري من مقام الحجاز كار كردي
وهذه الموشحات ولأدوار اشتهرت شهرة كبيرة في سائر البلاد العربية وأصبحت المادة الثقافية الفنية لكل فنان ومتفنن وأصبح قياس المعرفة الموسيقية هو حفظ الحان الشيخ سيد وأدواره وموشحاته وأهازيجه ويقال أن الشيخ سيد أوجد نغمة الزنجران هذا إذا لم تكن هذه التسمية مأخوذة من النغمة العربية القديمة التي وردت في كتاب الأدوار لصفي الدين عبد المؤمن الأرموي والمعروفة باسم زنكلاه هذه النغمة من النغمات المركبة وتتألف من ثلاث نغمات هي العجم والجهار كار والحجاز كار بشكل مترابط واعتقد أن هذا الترابط الذي يشبه الزنجير أعطى لهذه النغمة هذه التسمية

محمد عبد الوهاب

محمد عبد الوهاب

ولد الفنان الكبير محمد عبد الوهاب في القاهرة عام 1896 تقريبا وكان والده يتعاطى مهنة تعليم الأولاد في مسجد الشعراني بحي الشعرية في القاهرة نشأ عبد الوهاب منشأ بسيطا لم يعرف للحياة قدرها ولا لنفسه مقدارها فكان يجوب الأزقة مرتديا جلبابه البسيط مع أبناء حيه يسرحون ويمرحون ويغنون وينشدون وكانت فطرة عبد الوهاب وحبه للغناء طبيعية وموهبته الفنية فطرية ولذا كان يقتل اكثر أوقاته في الغناء مقلقا راحة الجيران بصوته الذي كان معجبا به هو ذاته

 محمد عبد الوهاب قد تسلق سلم المجد عن طريق تجواله في الشوارع وارتياده المسارح العامة إذ ساقت الأقدار لهذا الفنان ورفاقه في الحي الذهاب إلى تياترو دار السلام بحي سيدنا الحسين لمشاهدة تمثيلية لفرقة فوزي الجزائرلي فدخلوا الصالة بعد أن دفع كل منهم عشرة مليمات ثمنا للتذكرة ولما انتهى الفصل الأول من الرواية وأسدل الستار على الممثلين قام هؤلاء الأولاد رافعين أصواتهم بالغناء ولكن هذا الغناء كان على سبيل التسلية والمرح فصفق لهم الجمهور سخرية واستهزاء غير أن رئيس الفرقة التمثيلية فوزي الجزائرلي لم يسخر من هؤلاء الفتيان بل تقدم إليهم ودعاهم للغناء على المسرح مما أثار دهشة المتفرجين والمستمعين ولكن الطفل محمد عبد الوهاب اهتزت جوانبه أمام هذه المفاجأة والأمر الواقع وتعذر عليه الانسحاب فصعد عبد الوهاب على المسرح وراح يغني مع رفاقه فطرب الجمهور من فرقة الأطفال وصفق لها طويلا واستعاد أغانيها مرات ومرات فما كان من فوزي الجزائرلي إلا أن اكرم فرقة الأطفال بشلن كامل لكل واحد منهم وتكررت الزيارة في أيام أخرى إلى هذا المسرح وتكررت الشلنات حتى أصبحت هذه الفرقة من مستلزمات مسرح الجزائرلي ومن ضرورات العرض الساهر وجزءا من الأساس في كيان فرقة الجزائرلي
وفي عام 1917 بعد وفاة الشيخ سلامة حجازي أتلف نجله عبد القادر حجازي فرقة تمثيلية لتقديم الروايات الأدبية وكان عبد القادر حجازي يقوم بالدور الأول في التمثيل والغناء ولما كان صوته لا يؤدي المطلوب فكان يحرك شفتيه ومحمد عبد الوهاب يغني اللحن من وراء ستار ثم عمل محمد عبد الوهاب في فرقة عبد الرحمن رشدي مغنيا بين فصول الروايات إلى جانب المطربة فاطمة قدري قتلا للوقت ولم يكن له آنذاك معجبون يقدرون فنه وظل على هذا الحال يتنقل من فرقة إلى أخرى طلبا للرزق حتى عاد أخيرا إلى فرقة عبد الرحمن رشدي مرة ثانية وكان بين أفراد فرقته عبد الخالق صابر الذي شغل فيما بعد منصب وكيل وزارة الدفاع وكان صابر يجيد إلقاء الأغاني البلدية والمواويل فشجع محمد عبد الوهاب على الغناء والإستزادة من معرفة هذا الفن وكشف أسراره
كان المعهد الموسيقي الملكي في ذاك الحين قد افتتح حديثا فانتسب إليه عبد الوهاب ولكنه لم يمكث فيه طويلا بل انتقل إلى معهد موسيقي خاص وكان يزامله فيه المرحوم مصطفى رضا وصفر علي اللذان احتلا فيما بعد ادارة المعهد الموسيقي الإدارية والفنية فاستفاد عبد الوهاب بعض ثقافته الموسيقية من هذه الدراسات ثم أكمل دراساته الموسيقية على يد المرحوم الشيخ علي الدرويش الحلبي الذي تعاقدت معه حكومة القاهرة على التدريس في المعهد الموسيقي العالي
أعماله
أما ألحان محمد عبد الوهاب فكان لها أربعة أدوار و مدارس و اعتبره الرأي العام المجدد الأول للغناء العربي فالدور الأول ظهرت فيه أغاني يا جارة الوادي و كلنا نحب القمر و بالله يا ليل تجينا و غيرها فكانت هذه الأغاني من نوع خاص يسميه الأدباء بالسهل الممتنع فشعرت الكافة و الخاصة بأن دماً جديداً قد داخل الأغنية العربية و أصبحت أغانيه على كل لسان تتردد و في كل سمع تتصدر و داخل كل قلب تنبض فتزعمت هذه المدرسة مركز الطليعة في الميدان الموسيقي الغنائي و أصبح لها أنصار و مريدون و تهافت التجار من أصحاب شركات الاسطوانات على تسجيل أغانيه فانتشرت تتغنى على كل مسرح و أصبحت أغاني محمد عبد الوهاب هي المادة الرئيسية في الثقافة الفنية لكل مطرب و منشد و هاو للطرب
لم تقتصر مدرسة محمد عبد الوهاب على إبداع أغاني الطرب الكلاسيكية بل تعدتها إلى المرحلة الثانية من مدرسته الإبداعية و كان دور الأغاني الوصفية فظهرت أفلامه السينمائية و كان لها دوي هائل في ميدان الغناء العربي و في اللون الوصفي الجديد الذي أتى به هذا الفنان الموهوب و الوصف هو إدراك سر الكلمة و تلبيسها اللحن المناسب لها و اعتمد محمد عبد الوهاب في هذا العمل على ذكائه أكثر من اعتماده و معرفته و لذا كان وصفه مجازياً أكثر من كونه حقيقياً فمثلاً من ألحانه المجازية أغنية يرثي بها حبيبته و هو بين قبور الموتى بقوله في فلمه يحيا الحب قوله يا من سعيت إليها يقودني نار قلبي يا من جنيت عليها هذه جناية حبي أن لحن هذا المقطع ليس بالحزين كما هو مفروض من النص الشعري بل انه لحن مفرح راقص وهكذا كانت بعض ألحانه في بقية أفلامه ممنوع الحب و رصاصة في القلب ثم في ألحانه التي كانت لغير أفلامه وفي الدور الثالث لهذه المدرسة الموسيقية أخذ عبد الوهاب يلحن القصائد الطويلة بأسلوب جديد يختلف عن الدورين الأولين فظهرت أغاني الجندول والكرنك وكانت حدثا جديدا هائلا في ميدان الغناء العربي ولكن هذه الأغاني على روعتها وعظمتها لم تنس الناس أغاني الدور الأول تلك الأغاني التي رفعت عبد الوهاب إلى زعامة الميدان الموسيقي والغنائي في العالم العربي إنها أغان كانت تخرج من القلب وتدخل كل قلب لم يداخلها التصنيع في تركيبها ولا التقليد في هيكلها لقد كانت استمرارا لمدرسة الشيخ سيد درويش ولذا كانت قريبة من كل مزاج ومتغلغلة في كل نفس
أما أغاني الدور الرابع فليس من السهل التحدث عنها أو نقدها كما اعتقد بعد أن تسلم صاحبها متن الريح أصبحت شهرته سدا منيعا أمام كل نقد بناء أو رأي صحيح قد يناله في إنتاجه ولذا سأدع أغانيه في هذا الدور تتحدث عن نفسها بنفسها في مثال بسيط يظهر الحقيقة صريحة واضحة فالإنتاج الممتاز الصحيح خالد لا محالة واعتقد أن إنتاج محمد عبد الوهاب في دوره الأول كان في هذا المستوى الرفيع وليس معنى ذلك أن إنتاج الدور الرابع قد هبط عن مستوى الألحان المألوفة في هذه الحقبة الزمنية لا فإنتاج محمد عبد الوهاب هو دوما فوق المستوى المألوف ولكن الحديث عن ميدان وصاحب مدرسة وصل في الماضي بإنتاجه إلى ذروة الجادة والجمال إذا قورن بإنتاجه بين الدور الأول والدور الرابع فلا شك أن الفارق كبير بينهما فها هي قصيدة يا جارة الوادي يعاد تسجيلها على اسطوانات تجارية للمطربة فيروز بعد ست وثلاثين عاما وتجد هذه الأغنية إقبالا لا مثيل له ولا أظن أن أغنية أراعيك قيراط تراعيني قيراطين تجد مثل هذا الإقبال إذا أعيد طبعها بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة بل أن هذه الأغنية قد ماتت وهي لا تزال في المهد الأمر الذي يوضح الحقيقة الواقعة وليس معنى ذلك أن الأستاذ محمد عبد الوهاب قد تناقصت مقدرته التلحينية فألحانه للسيدة أم كلثوم في أنت عمري و أمل حياتي تثبت أن عبد الوهاب لا يزال في ذروة الميدان الموسيقي ولكن عبد الوهاب كما يبدو أبى أن يعترف بواقع سنه فصاغ ألحانه في دورها الرابع بما يتناسب مع ما وصل إليه صوته فكانت كما سمعها الناس في وضعها الراهن
لحن عبد الوهاب الكثير من الأغاني الخفيفة في بدء حياته الفنية ولكنه عندما تعرف على المرحوم أحمد شوقي أمير الشعراء فتحت له الدنيا أبوابا جديدة كانت موصدة أمامه فيما قبل فظهر لعبد الوهاب أحلى القصائد وأطرب الأغاني وأمتع الألحان والخلاصة أن محمد عبد الوهاب هو رائد الموسيقى في هذا الجيل وكانت ألحانه في أدوارها الأربعة ممتعة مطربة لسائر الأفراد على اختلاف أمزجتهم وطبائعهم وثقافاتهم ويعتبر من أساتذة الدور الرابع للمدرسة الموسيقية الحديثة بحق وجدارة

فريد الأطرش

فريد الأطرش

فنان ملأ الميدان الموسيقي الغنائي بإنتاجه الموسيقي والسينمائي في البلاد العربية فلحن الكثير من الأغاني وعبأها على اسطوانات دخلت أكثر البيوت وله معجبون كثر لا يستمعون إلى غيره وأكثر ألحانه نجاحا تلك التي لحنها لشقيقته اسمهان وقدمها في أفلامه السينمائية ولو قدر لأسمهان الحياة لظهرت ألحانه بشكل أوسع وأعم ومع ذلك فقد أخذت ألحانه مركزها واحتلت مكانها اللائق
هذا هو فريد الأطرش الفنان ذو الجنسية العربية لأنه ولد في حاصبيا اللبنانية من أم لبنانية وكان والده من جبل الدروز في سوريا وقد استوطن أخيرا في مصر فحاز بذلك على جنسياته العربية الثلاث وعروبة فريد ظاهرة في أغانيه وانتقائه للأشعار التي يلحنها
ولد فريد في بلدة حاصبيا عام 1917 في بيئة نبيلة تنتسب إلى عائلة الإمارة الطرشانية فتعشق الموسيقى والغناء منذ حداثته ومع دراسته الأولية كان يمارس هوايته الموسيقية ولما اشتد ساعده قليلا سافر إلى القاهرة مع شقيقته اسمهان ووالدته وفيها انتسب آلي المعهد العالي للموسيقى العربية وكان اسمه آنذاك المعهد الموسيقي الملكي للموسيقى العربية فانصقلت موهبته في هذا المعهد وبدت تظهر بوادر إنتاجه فاستدعته الإذاعة القاهرية ليقدم عزفا على العود ثم نبه فريد إدارة الإذاعة أن له صوتا جميلا يرغب بأن يسمعه للجماهير العربية فلبت رغبته ثم بدأ يظهر له بعض الاسطوانات في أغان وطقاطيق لم تلبث أن ارتفعت هذه الألحان آلي أوبريت وأفلام استعراضية وقصائد كبيرة ذوات الإيقاعات الموسيقية المركبة
وهكذا نجد أن تاريخ فريد الأطرش في الميدان الموسيقي حافلا بجلائل الأعمال الفنية فهو من رواد الموسيقى العربية المعاصرين الذين كان لجهودهم الأثر الكبير في نهضة موسيقانا العربية وازدهارها آلي جانب فرسان هذا الميدان الشيخ زكريا احمد ومحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي ومن سبقهم من الأعلام مارس فن الغناء والتلحين أكثر من أربعين عاما قدم خلالها العديد من الألحان الغنائية والموسيقية من مختلف الألوان والمؤلفات الموسيقية التقليدية منها والمتطورة التي تتسم بالابتكار والأصالة والذوق الرفيع التي أضفت على الأغنية العربية ألوانا من الإبداع الفني والجمالي وكان فريد من الأعلام الذين وضعوا اللبنة الراسخة في نهضة الموسيقى العربية الحديثة مع أقرانه الأعلام
اتجاهاته الفنية
يعتبر فريد أول من قدم الأوبرا بعد المرحوم الشيخ سيد درويش من الملحنين وذلك في فلمه الأول انتصار الشباب عام 1939 ولم يكن للسينما المصرية فبل هذا التاريخ عهد بالأوبريت الغنائية كما سجلت ألحانه وموسيقاه بعض الدول الأوربية وقاد الفرق الموسيقية الأوربية في ألحانه الفنان الفرنسي فرانك بورسيل فسجل من مؤلفاته أغاني : حبيب العمر نجم الليل زمردة
أن هذا الفنان قد تخطى إنتاجه الفني نطاق البلاد العربية إلى البلاد الأوربية فنرى شركات الاسطوانات الأوربية تسجل له لحن “وياك” على اسطوانة دخلت الكثير من البيوت الأوربية وحينما زار القاهرة عازف الارغن الأوربي جيرالدشو عام 1946 كان من ضمن معزوفاته الأوربية التي قدمها على مسارح القاهرة معزوفة “حبيب العمر” ولم يخل الاتحاد السوفيتي من الحان فريد فان موسيقى “يا زهرة في خيالي” تعزف فيها باسم “تانغو اورينتال” كما أنشدت اشهر مطربات فرنسا ألحانه نذكر منهم: اريكوماسيان و داليدا و مايا كازابلانكا
ومن أهم اتجاهات فريد الفنية عنايته بالاستعراضات الغنائية التي تتضمن جميع الألوان الغنائية الشرقية ووضع هذه الجهود الهائلة في معظم أفلامه السينمائية وكان مكثر في إنتاج الأفلام السينمائية وقد بلغ عدد الأفلام التي أنتجها لحسابه الخاص وقام فيها بأدوار البطولة 32 فيلما منها حبيب العمر لحن الخلود رسالة غرام عهد الهوى الخروج من الجنة وغيرها هذا عدا عن الأفلام التي اضطلع ببطولتها لحساب شركات الإنتاج وعددها 35 فيلما منها انتصار الشباب أحلام الشباب حكاية العمر كله الحب الكبير زمان يا حب ولاشك أن هذه الجهود الفنية الجبارة التي قدمها لا تخلو من دعاية إعلامية لموطنه الثاني مصر التي فتحت له ذراعيها واحتضنته يوم قصدها ولكنه كان مواطنا صالحا وأميرا نبيلا قابل الخير بالخير والإحسان بالا حسان
وفريد يعتبر من العازفين البارعين على آلة العود فهو يعتز بهذه الآلة كثيرا وقد حرص على استخدامها في جميع حفلاته وفي رحلاته الفنية آلي خارج مصر كل ذلك رغبة منه في المحافظة على إحياء هذه الآلة العربية الأصيلة والحفاظ عليها وقد استطاع أن يطور الأداء على هذه الآلة حيث خرج عن نطاق طور العزف المألوف الضيق آلي دائرة اكثر رحابة وهو استطاعته التعبير عن مختلف الأحاسيس الإنسانية المألوفة في التعبير الكلامي آلي التعبير اللحني وهذه البادرة تعتبر خطوة جذرية نحو ارتقاء الموسيقى العربية آلي مكانتها المأمولة والمنتظرة في ميدانها العملي
اتجاهاته العربية
شارك فريد في فنه في خدمة الحركة الوطنية فقدم الكثير من الألحان الوطنية الحماسية منها “المارد العربي” الذي صورته إدارة الشؤون العامة للقوات المسلحة للسينما وعرض في جميع دور العرض في الجمهورية المصرية كما غنى العديد من الأغتني منها
يا بلادي يا بلادي فيك عاش الأوفياء
اليوم يوم الشجعان
دعي الفجر هيا رجال الغد
سنة وسنتان
كما شارك فريد في جميع المناسبات القومية وكان في كل مناسبة يقدم لحنا جديدا يعبر فيه عن أحاسيسه ومشاعره ووطنيته الصادقة ويذكر الميدان الفني المصري على سبيل المناسبة تعشق فريد لمصر ومصريته انه حين أوفدته الإذاعة المصرية إلى لندن عام 1939 بناء على طلب إذاعتها لتسجيل بعض الأغنيات أعلنت الحرب العالمية الثانية فأحس فريد بحنين غريب إلى موطنه الثاني فبعث برسالة إلى أحد الشعراء لينظم له أغنية يعبر فيها عن شعوره فنظم له الأغنية المعروفة
يا مصر كنت في غربة وحيد
وعندما عاد إلى القاهرة فدمها للإذاعة وسجلها على اسطوانة وزعت على العالم العربي
أن هذه العاطفة بين فريد وعروبته قد قابلتها الدول بالمثل أظهرت شعورها نحو هذا الإنسان الفنان فقلدته هذه البلدان أوسمتها الرفيعة فجاءته الأوسمة من سوريا ولبنان والأردن والمغرب وتونس ومنحه الرئيس جمال عبد الناصر وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى ومعنى ذلك أن هذه الدول قد شعرت بأحاسيس هذا الفنان وقدرت فيه مشاعره النبيلة وبادلته تلك المحبة بالمحبة والتقدير والإعجاب تغنى بألحانه مشاهير المطربات والمطربين في مصر والدول العربية منهم فتحية أحمد ونجاة علي وأسمهان وصباح وسعاد محمد ووردة الجزائرية وشادية ومحمد رشدي ومحرم فؤاد ووديع الصافي وكانت ألحانه سببا في شهرة كثيرين منهم هذا الفنان فضلا عن كونه فنان مبدع فانه أيضا يؤدي الغناء من الطراز الأول والى جانب هذا الأداء المبدع فقد تحلى بالخلق الطيب والأريحية السمحة في إطار جميل من إنسانية الفنان مما أعاد إلى الفن والموسيقى العربية سيرته الأولى في عصره الذهبي فكان حصيلة هذا النجاح بما وهب من نفسه للفن وبما بادله الفن من عطاء سخي

 

عبد الحليم حافظ

عبد الحليم حافظ

ومن منا لا يعرف العندليب الأسمر مالئ الدنيا وشاغل الناس عبد الحليم حافظ الذي أرخت الستينيات بصوته العذب ونقشت أغانيه على جدران وجداننا وفي أعماق ذاكرتنا فأيقظت فينا الحب والحماسة عبد الحليم حافظ صاحب الصوت صغير المساحة إلا أنه صوت مميز بالدفء والعذوبة والحساسية وصدق الأداء الذي لم يكن معهودا من قبل حيث تفاعل مع كلمات أغانيه وألحانها حتى ذاب فيها أداء كما ذابت فيه لحنا وكلمة
وجد عبد الحليم حافظ في زمن غني بالأصوات القوية النفاذة الجميلة المحببة أمثال كارم محمود ،محمد فوزي، عبد العزيز محمود، محمد قناديل وهي أصوات ظهرت في أواخر الأربعينيات إلى جانب فريد الأطرش الذي ملأ ساحة الطرب والغناء في عصره وفي هذه الزحمة من الأصوات الجيدة القادرة لم يكن من السهل على عبد الحليم الوصول إلى آذان الناس وقلوبهم
وكأن ثورة يوليو 1952 قد حملت معها إبداع هذا الشاب الذي كان صوت مصر الدافئ ومعتمد الثورة ومندوبها للجماهير فكان عبد الحليم ذلك السفير الذي رافق آلام الشعب المصري وآماله زهاء ربع قرن
اسمه عبد الحليم شبانة وقد لقب عبد ذلك بـ حافظ عرفانا بفضل مكتشف صوته والمعجب به يومشجعه الأول حافظ عبد الوهاب انتسب عبد الحليم حافظ إلى المعهد العالي للموسيقى المسرحية في أواسط الأربعينيات وتخرج منه عازفا على آلة الأوبوا وهي آلة شقيقة للكلارينيت وعُين فور تخرجه مدرسا لمادة التربية الموسيقية في مدارس القاهرة لكن هذه المهنة لم ترق له لبعدها عن مواهبه وهوايته فتقدم للإذاعة ليعمل في فرقتها وكان له ذلك فأصبح عضوا فيها وتشاء الظروف أن تنعقد في الإذاعة لجنة لسماع أصوات جديدة لاعتمادها لدى الإذاعة المصرية فتقدم لها عبد الحليم فنال إعجاب أحد أعضاء هذه اللجنة وهو الأستاذ حافظ عبد الوهاب فشجعه ودعمه وكان لدعمه أكبر الأثر في نجاح عبد الحليم
أعماله
كانت أولى أغانيه صافيني مرة من ألحان محمد الموجي التي أطلقته في سماء الشهرة وجعلته في مصاف النجوم فقد تميز عبد الحليم بصدق التعبير وجودة الأداء وحسن انتقاء كلمات أغانيه وألحانها كما ساعدته دراسته للموسيقى على التدخل في الألحان التي تقدم له وتغيير ما لا يتناسب وقدراته الفنية والصوتية
وقد لحن له كبار الملحنين أمثال رياض السنباطي محمد عبد الوهاب وهو شريكه في شركة صوت الفن ومحمد الموجي وكمال الطويل وقد كان عبد الحليم والموجي والطويل ثلاثيا لا يفترق كما لحن له بليغ حمدي وإذا كان قد غنى لكبار الملحنين فقد غنى لكبار الشعراء أمثال نزار قباني إيليا أبو ماضي صلاح جاهين كامل الشناوي مرسي جميل عزيز
ترك عبد الحليم وراءه ما يفوق المائة أغنية ما بين الموشح المتطور والقصيدة والأغنية الطويلة والأغنية الدارجة السينمائية كانت آخر أغانيه الرفاق حائرون وأغنية من غير ليه التي لحنها له الأستاذ محمد عبد الوهاب إلا أن المرض أقعده عن غنائها أو تسجيلها فتوفي قبل أن يتم له ذلك وله لوحات غنائية وتمثيليات غنائية إذاعية كما أنه نجح في التمثيل السينمائي فقد مثل ما ينوف عن الخمسة عشر فيلما أولها لحن الوفاء مع المطربة شادية وآخرها أبي فوق الشجرة مع الممثلة ناديا لطفي
لقد داهم المرض عبد الحليم في سن مبكرة مما نغص عليه حياته وانتشلته يد المنون وهو في أوج شهرته فرحل مأسوفا على شبابه وبقيت جماهيره في عطش وسغب لفنه الأصيل الذي أمتع الناس حقبة من الزمن

سيد مكاوي

سيد مكاوي

سيّد مكاوي حُرم مِن نعمة البصر، ولكنه وهب نعمة البصيرة. حفظ القرآن الكريم، وتعلم فنّ الإنشاد الديني، ثمّ اتجه إِلى الموسيقى فتعلمها – بإتقان باهر – دون أن يدخل معهد موسيقى. حفظ الأدوار والموشحات ومَا لا يتصوره عقل مِن ألحان وأشعار. حفظ أمهات القصائد الّتي جادت بها قريحة فحول الشعراء العرب، كذلك كلِّ مَا قيل فِي مِصْر مِن أدوار وموشحات مِن بداية القرن العشرين، خاصّة للفنّان سيّد درويش الّذِى يعتبر أبا التجديد فِي الموسيقى العربيّة.. والشّيخ زكريا أحمَد، خير مَنْ حافظ على الطابع الشرقي فِي موسيقاه، هو وآخرون مثل: محَمّد القصبجي وداود حسني. 

هُو امتداد للرَّاحل العظيم سيّد درويش.. وأحد عمالقة الموسيقى العربيّة وهرم مِن أهراماتها، ألحانه مِن نوع السهل الممتنع أو كأنما مكاوي رسم خفة ظلّه على أوتاره الموسيقيّة فأصبحت ألحانه راسخة عالقة فِي الأذهان على مرَّ الأيّام والسنين. وحينما التقى مع الشّاعر صلاح جاهين صديقه ورفيق دربه، قدما معاً أنجح ثنائي فنيّ، وكان عملهما: “أوبريت الليلة الكبيرة،” مِن أنجح الأعمال. ويُعد هذا العمل الأشهر فِي تاريخ الفنّ المصري والعربي. وتوّج سيّد مكاوي تألقه بعدما غنّت له كوكب الشّرق أم كلثوم: “يا مسهرني،” والّتي كانت ستغني له أيْضاً “أوقاتي بتحلو” ولكنها رحلت فغنتها وردة الجزائريّة.

قال عنه وجيه ندى المُؤرخ والباحث فِي التراث الفني:“موسيقار ومطرب استمد ثقافته الفنيّة مِن التراث الموسيقي العربي والأوبرالي.. ألحانه راقيّة وعذبة، لا يوجد فيها تلك الضوضاء، وليست مِن الألحان الصعبة والضخمة، بل السهلة والسلسة سهولة أغاني الأطفال.. وأعتقد أن هُنا تكمن واحدة مِن عبقرياته.. الألحان السهلة أحس أنها أصعب، وأقرب إِلى القلب. وأغلب ألحانه مِن مقامات شرقيّة بحتة مثل الراست والسيكا الّتي كان يكثر منها، ولذلك صبغت ألحانه بصبغة شرقيّة أصيلة. أَثْرَى المكتبة الموسيقيّة بالألحان لكبار المطربين والمـطربات المصريين والعـرب. واختير عضواً فِي لجنة الاستماع بالإذاعة المصريّة..” 

وَأخِيْراً، وضع سيّد مكاوي المقدمة الموسيقيّة للعديد مِن المسلسلات الإذاعيّة، وكانت هُناك محطتان هامتان فِي أعماله الإذاعيّة، الأولى مع أشعار صلاح جاهين (1930م – 21 أبريل/ نيسان 1986م)، والثانيّة مع الدّيوان الكامل للشّاعر فؤاد حداد (1928م – 1 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1985م). وجاء عَن هاتين المحطتين فِي الموسوعة الحرَّة (ويكيبيديا) مَا يلي: “يجدر التوقف عند هاتين المحطتين الهامتين فِي حياته نظراً لأهميتهما الكبرى، وكان يجب إدخالهما المعاهد الموسيقيّة لاحتوائهما على الكثير مِن بديع موسيقانا الشرقيّة. الأولى: “الرباعيات” الّتي قدمها فِي برنامج في حلقات يوميّة مِن خلال إذاعة “صوت العرب” فِي نهاية ستينيات القرن العشرين، شعر صلاح جاهين، وإخراج أنور عبد العزيز، وقد حققت شهرةً واسعةً وشيوعاً كبيراً ممّا حدا بالمطرب علي الحجار إِلى استئذان سيّد مكاوي فِي إعادة تقديمها؛ وقد وافق سيّد مكاوي وأعيد التسجيل بصوت علي الحجار. المحطّة الثانيّة: برنامج مِن ثلاثين حلقة “نور الخيال وصنع الأجيال،” قدمه مِن خلال “إذاعة البرنامج العام،” فِي شهر رمضان من  العام 1968م، شعر فؤاد حداد، وإخراج فتح الله الصفتي.  وصف الشّاعر القاهرة العظيمة ومَا مر بها مِن أحداث عبر التاريخ، وقام سيّد مكاوي بتلحين الأشعار وقدمها فِي شكل الشّاعر الراوي وقدم خلال الحلقات الثلاثين العديد مِن الأصوات الجديدة والمواهب الشابة آنذاك والّتي شاركته فِي الغناء.  كانت لهذا البرنامج المقدمة الغنائيّة الشهيرة “أوَّل كلامي سلام،” وكانت أغنيّة “الأرض بتتكلم عربي” مِن أشهر أغاني سيّد فِي هذا البرنامج، ويعتبر هذا العمل عملاً ملحمياً مليئا بالتراكيب اللحنيّة الشيقة والمعقدة والمركبة، ومرجعاً هاماً لكافة الملحنين الجدد للاستفادة منه فِي كيفية التسلسل اللحني وحسن النقلات الغنائيّة…”

نال سيّد مكاوي وسام العلوم والفنون مِن الدّرجة الأولى فِي مِصْر، ووسام صدام للفنون مِن الدرجة الأولى فِي العراق، ونال فِي بلاده أيْضاً شهادات تقدير مِن جهات فنيّة عديدة كالإذاعة المصريّة، وإذاعة الإسكندريّة، وشهادات خاصّة فِي مناسبات وأعياد مختلفة كعيد الطفل وعيد المسر.

ولّد سيّد مكاوي يوم 8 مايو/ أيّار 1927م، وانتقل إِلى رحمة ربه يوم 21 أبريل/ نيسان 1997م.  كان فنّاناً عبقرياً ورائعاً بكلِّ المقاييس، وإنْسَاناً نبيلاً قلما يجود الزمان بمثله.

 يحتار الإنْسَان فِي وصف سيّد مكاوي، لكنه أمّة بحالها، ذكاء خارق، موهبة عظيمة، وصل إِلى مَا وصل إليه مِن شهرة دون أن يدخل مدرسة أو معهدا، حفظ القرآن وهُو طفل صغير بعْد أن فقد بصره وهُو فِي حوالى الرَّابعة مِن عمره، وعمل كمنشد ثمّ شق طريقه بموهبته وتعلم الموسيقى وبدأ التلحين ودخل عالم الإذاعة، ولحن مئات الألحان للمطربين والإعلانات والمسلسلات.  وصل إِلى أعلى الهرم حينما لحن لسيدة الغناء أم كلثوم. أحبّ كلِّ النَّاس فأحبه الجميع دون استثناء.  وكان حبه الأكبر لسيّد درويش وزكريا أحمَد فكان يعتبر درويش قمة عاليّة مِن قمم الموسيقى العربيّة ويتفق تماماً مع مَنْ يضعون تراثه مع كنوز التراث العربي كالموشحات والقصائد والأدبيات الكبرى مثل: ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، والبخلاء، ورحلات ابن بطوطة،  وكتب الفارابي وابن سينا والخوارزمي وابن خلدون وغير ذلك مِن الأعمال الخالدة مِن تراثنا.  ويعتبر زكريا أحمَد أحد صناع التراث الموسيقى وواحدا مِن أهمّ عمالقة الموسيقى العربية، وشيخ الملحنين المصريين فِي العصر الحديث. وكان سيّد مكاوي يغني فِي سهراته ولياليه لدرويش وزكريا أكثر ممّا يغنى لنفسه مِن أغاني وألحان.