روايات

لونا قصير توقع روايتها الجديدة فراشة التوت

لونا قصير توقع روايتها الجديدة فراشة التوت

صدر عن دار ابعاد رواية  فراشة التّوت للروائية لونا قصير حيث قامت بتوقيع كتابها في معرض الكتاب بيل-بيروت نهار الاحد الفائت.. يشتعل الوميضُ في أعيننا فنعلم انّ الرؤى قلم

إنّه الإصدار الثالث للأديبة المبدعة لونا قصير بعد القميص الزهري وبلاد القبلات مجلّة قلم واكبت أجواء التوقيع والتي تميزت  بحضور لافت من المثقفين الأدباء والمفكرين إضافة إلى أصدقاء ومحبّي الكاتبة 

لونا قصير توقع روايتها الجديدة فراشة التوت لونا قصير توقع روايتها الجديدة فراشة التوت

لونا قصير توقع روايتها الجديدة فراشة التوت لونا قصير توقع روايتها الجديدة فراشة التوت
لونا قصير توقع روايتها الجديدة فراشة التوت

دجـــاجة

دجـــاجة

دجـــاجة

كلاريس ليسبيكتور

ترجمة: ناديا الخليل

كلاريس ليسبيكتور (1920 – 1977) كاتبة برازيلية، من أصل أوكراني، هاجرت مع أبويها إلى البرازيل، بعد سنة من ميلادها. تُعَدّ من أبرز كتّاب جيل الـ (45) البرازيليين. وعلى الرغم من معاناتها من داء السرطان ووفاتها المبكِّرة، إلا أنها تُصَنَّف واحدة من أهمّ كاتبات أميركا اللاتينية، في القرن العشرين. من الصعب تحديد أسلوبها، لاسيّما أنها، هي نفسها، تقول إن أسلوبها هو «اللا أسلوب».

تميّزت كلاريس بقصصها القصيرة ذات الأجواء الكافكوية، وخلفت إرثاً بالغ الأهمّيّة في الرواية، أيضاً، فضلاً عن عدد من كتب الأطفال، والأشعار، والرسوم.

إنها دجاجة مخصَّصة ليوم الأحد، وكانت لا تزال حيّة، لأن الساعة لمّا تتجاوز التاسعة صباحاً بعد. كانت تبدو هادئة، فقد انزوت، منذ يوم السبت، في ركن من المطبخ. لم تكن تنظر إلى أحد، ولم يكن أحدٌ ينظر إليها، وحتى عندما اختاروها متلمِّسين أجزاءها الحميمة، بلا مبالاة، لم يستطيعوا إن يحدّدوا إذا ما كانت سمينة أم نحيلة. ولم تُلمَح فيها، قطّ، أيّة لهفة.

لهذا، كانت المفاجأة كبيرة حين رأوها تفتح جناحيها في تحليق قصير، ثم تنفخ صدرها. وبعد محاولتين أو ثلاث محاولات تحليق، وصلتْ إلى جدار الشرفة الحاجز، لكنها تردّدت هناك لحظة (ما يكفي من الوقت لأن تطلق الطاهية صرخة)، وخلال برهة قصيرة كانت قد حطّت على شرفة البيت المجاور، ومن هناك، في تحليق مضطرب آخر، بلغت السطح، حيث وقفت مثل دمية زينة موضوعة بصورة غير مناسبة، ترفع في كلّ لحظة إحدى قائمتيها، بتردُّد.

استُدعيت الأسرة على عجل، ورأتْ، بذهول، أن وجبةَ الغداءِ صارت إلى جانب إحدى المداخن. وفي تذكُّرٍ من ربّ البيت للحاجة المزدوجة إلى الغداء وإلى ممارسة رياضة، بين حين وآخر، ارتدى- وهو مشرق- ملابسَ السباحة مصمّماً على اقتفاء أثر الدجاجة. وبقفزات حذرة، وصل إلى السطح الذي كانت عليه، متردّدة ومرتعشة، حينئذ، اتّخذت وجهة أخرى على عجل، فصارت المطاردة أكثر زخماً. ومن سطح إلى سطح، جابتْ الدجاجة سطوح أكثر من كتلة أبنية في الشارع. ولأنها قليلة الميل إلى الصراعات الوحشية من أجل الحياة، فقد كان على الدجاجة أن تقرِّر بنفسها الدروب التي عليها اتّخاذها، دون أيّة مساعدة من بنات جنسها. أما الشابّ، بالمقابل، فكان صياداً هادئاً، وعلى الرغم من تفاهة الطريدة، إلا أن صرخة الغزو كانت قد استحوذت عليه.

وحيدة في الدنيا، بلا أب ولا أم، كانت تركض، تلهث، مضطربة، صامتة، مركِّزة. وفي هروبها، كانت تطير، أحياناً، بجَزَع، فوق عالم من السطوح، وبينما الشابّ يتسلَّق، صاعداً إلى سطوح أخرى. بمشقّة، كانت تجد الوقت لتستردّ أنفاسها للحظات، وعندئذ، تبدو أكثر حرّيّة!

لقد كانت بلهاء، خائفة، حرّة، وليست ظافرة مثلما سيكون عليه الحال لو أن الهارب كان ديكاً. ما الذي في أحشائها ليجعل منها كائناً؟ الدجاجة كائن، وصحيح أنه لا يمكن الاعتماد عليها في أيّ شيء، بل إنها هي نفسها لا تؤمن بنفسها، بالطريقة التي يؤمن بها الديك في عُرفه. مزيتها الوحيدة هي أن هناك دجاجات كثيرة، وحتى لو ماتت فسوف تظهر، في اللحظة نفسها، واحدةٌ أخرى شبيهة بها، حتى لتبدو كما لو أنها هي نفسها.

أخيراً، في واحدة من توقُّفاتها للاستمتاع بهروبها، أدركها الشابّ، ووسط صراخ وتطاير ريش، قُبِض عليها. ونُقِلت، في الحال، محمولةً، بظَفَرٍ، من أحد جناحيها، عبر السطوح، ووُضِعت على أرض المطبخ، بشيء من العنف. وبينما هي لا تزال مشوَّشة، نفضت نفسها قليلاً، وسط قوقأة مبحوحة ومتردِّدة.

وكان أن حدثت، عندئذ، الواقعة؛ قد وضعت الدجاجة بيضة! بدت متفاجئة ومنهوكة، ربّما هي بيضتها البكر. ولكنها، بعد دخولها تجربة الأمومة، بدت مثل أمّ قديمة معتادة على الأمر. وبينما هي راقدة على البيضة، راحت تتنفّس، وتفتح عينيها وتغمضهما، وكان قلبها الصغير جدّاً يرفع الريش ويُنزله. الطفلة، وحدها، كانت قريبة، وتراقب كلّ شيء بذعر، وما إن تمكَّنت من التخلُّص من استحواذ الحدث عليها حتى نهضت عن الأرض، وأفلتت العنان لصرخاتها:

ماما، ماما، لا تذبحي الدجاجة، لقد وضعتْ بيضة! إنها تريد لنا الخير!

هُرِع الجميع مجدَّداً إلى المطبخ، وأحاطوا بالولّادة الفتيّة، بصمت. وحينما كانت تدفِّئ وليدها، لم تكن رقيقة ولا شرسة، لا فرحة ولا حزينة، لم تكن أيّ شيء، مجرّد دجاجة فحسب، ممّا لا يوحي بأيّة مشاعر خاصّة. ظلَّ الأب والأم والابنة ينظرون إليها وقتاً لا بأس به، دون أن يساورهم أيّ شعو محدَّد. فلم يحدث أن داعب أحدٌ رأس دجاجة. وأخيراً، قرَّر الأب، بشيء من الصرامة:

إذا ما أمرتِ بذبح هذه الدجاجة، فلن أعود إلى أكل الدجاج، أبداً، في حياتي!

ــ وأنا أيضاً. أقسمت الطفلة، بحرقة.

فهزّت الأمّ المتعبة كتفيها.

بدأت الدجاجة تعيش مع الأسرة، دون أن تعي الحياة التي مُنِحت لها. وكانت الطفلة، كلَّما عادت من المدرسة، ترمي محفظتها جانباً، دون أن تكبح جريها باتّجاه المطبخ. وكان الأب يتذكَّر، بين حين وآخر: «كيف أجبرتُها على الركض، وهي في تلك الحالة!». تحوَّلت الدجاجة إلى سيّدة البيت. الجميع يعرفون ذلك، باستثنائها هي. واصلت حياتها ما بين المطبخ وسور البيت، مستخدمةً قدرتها على شيئين: اللامبالاة، والجفول.

ولكن، حين يكون الجميع هادئين في البيت، ويبدون كما لو أنهم قد نسوها، كانت تمتلئ بقدر ضئيل من الشجاعة، بقيّة من آثار ذلك الهروب الكبير، وتتجوّل على قطع الآجر، رافعةً جسمها وراء الرأس بصورة متقطّعة، كما لو أنها في الريف، بالرغم من أن الرأس الصغير يخونها: تتحرَّك، مسرعةً ومهتزّةً بذلك الخوف الآليّ القديم لبنات جنسها.

بين حين وآخر، وهو ما صار نادراً، في النهاية، كانت الدجاجة تتذكَّر أنها قد وقفت، ذات مَرّة، في مواجهة الفضاء على حافّة سطح، قبيل استسلامها. وفي هذه اللحظات تملأ رئتيها بهواء المطبخ الملوَّث، وإذا كان من عادة الإناث أن يغنّين؛ فإنها ــ هي التي لا تحسن الغناء ــ تكون، حينئذ، في أكثر حالاتها سعادة، مع أنه لم يكن يطرأ، في تلك اللحظات، أيّ تبدُّل على رأسها الفارغ؛ لأن رأسها- سواء في الهرب أو في الراحة أو حين أنجبت أو في أثناء نقرها الذرة- يظلّ رأس دجاجة، الرأس نفسه الذي صُمِّم منذ بداية العصور.

إلى أن ذبحوها ذات يوم، وأكلوها… وتوالت السنوات.

أيمكنُ للروائي أن يكون غزير الإنتاج؟

أيمكنُ للروائي أن يكون غزير الإنتاج؟

أيمكنُ للروائي أن يكون غزير الإنتاج؟

ستيفن كينغ

ثمّة عديد من الُمسلّمات في النّقد الأدبيّ، لا يتمُّ التحدُّثُ بشأنها: إحداها أنّه كُلّما كان المرءُ كثير الكتابة كان عملُه أقلّ عُرضةً للفت الانتباه.

جويس كارول أوتس، المؤلّفةُ لأكثر من خمسين روايةً (لن نُحصي الإحدى عشرة روايةً التي قد كُتبت تحت أسماء مُستعارة: روزاموند سمث، لورين كيلي) تتفهّمُ- بشكلٍ كامل- كم هو قليلٌ ما يملكُه النُّقادُ لأجل الكُتّاب غزيري الإنتاج. في إحدى تدويناتها كتبت تقول، يبدو أنّها كانت تخلُقُ إبداعاً «أكثر حقيقةً مما يسمحُ به العالمُ الأدبي لـ «كاتبٍ جادّ»».

حيثُ في كُلّ الافتراضات التي تتعاملُ، بإدراكٍ موضوعيٍّ للحقيقة، ثمّة فكرة أنّ الكتابة، بشكلٍ غزيرٍ، تُساوي، في قيمتها، الكتابة السّيّئة، هي فكرة لابُدّ أن يتمّ التعاملُ معها بحذر. في الغالب، يبدو أنّ هذا صحيح. لا أحد -بالتّأكيد- سيُنصّبُ كاتبَ روايات الغموض جون كريسي- مؤلّف (564) روايةٍ، تحت أحد عشر اسماً مُستعاراً مختلفين- ملكاً داخل قصر أبطال الأدب الأُسطوريّين، فكلاهُما: شخصُه وإبداعاتُه قد طواهُما النّسيانُ، إلى حَدّ كبير. الأمرُ نفسُه هو حقيقةُ الروائية البريطانية أُورسولا بلوم (نحو 500 عملٍ، منشور تحت عدّة أسماء مُستعارة)، وباربارا كارتلاند (نحو 700 عمل)، وحشد من آخرين.

ذلك يُذكّر المرء بنُكتة «ترومان كابُّت» الشهيرة عن جاك كيرواك:

«هذه ليست كتابة، هذا نقرٌ على آلة كتابة».

إلى الآن، بعضٌ من الكُتّاب غزيري الإنتاج قد تركوا انطباعاً على الوعي الجماهيريّ. لنُفكّر، مليّاً، في آجاثا كرستي، التي يُزعمُ أنّها أكثرُ كُتّاب القرن العشرين شعبيّة، والتي مازالت أعمالُها الكاملةُ تُطبَع.

هي كتبت (91) كتاباً: (82) منها باسمها، و(9) تحت اسمٍ مُستعار: ماري وستماكُت، أو اسمها بعد الزّواج: آجاثا كرستي مالوان. هذه الرواياتُ، لربّما ليست ذات طابعٍ أدبي، لكنها مُنزّهةٌ عن العصيدة التي قد صُنعت بواسطة جون كريسي، وبعضٌ منها جيدٌ لافتٌ للنّظر. كرستي قد وهبتنا شخصيتين: مسز ماربل، وهيركل بويرت، وقد حقّقت ضرباً من الخُلود. أضف، إلى هذا، الوحدة في الأسلوب والأفكار، في روايات كرستي، (الحميميّة الباعثةُ على الرّاحة في بنائية العمل، والقوالب البريطانيّة الـمُدرجة في سياق تقديرها الفاتر للطبيعة البشرية، بشكلٍ مُدهش) لابدّ للمرء من أن يُعاين تلك الكُتُب العديدة، من وجهات نظرٍ مُختلفة.

الشيء نفسه، باستطاعتنا أن نقوله عن الكاتب الخصيب «جون د.ماكدونلد»، وهو كاتبٌ من أواسط القرن العشرين، شخصيتُه الكتابية الـمُخترعة «TRAVIS MCGEE» تبدو، الآن، قديمة الطّراز، بشكلٍ مُحرج، وكثيرٌ من رواياته الفريدة، التي تربو على الأربعين، هي مزيجٌ بين إرنست همنغواي، وجون أوهارا، لكن، حين تناسى ماكدونلد أبطاله الأدبيّين، وكتب لأجل ذاته- بشكلٍ قاطع- أنجز أعمالاً مدهشة، منها:

«THE END OF THE NIGHT»،«THE LAST ONE LEFT»، وهي ترتقي إلى المستوى التصنيفيّ الأعجم، من تغيير الشكل الذي نُطلقُ عليه الأدب الأميركي. ليس ثمة عاقل أو عاقلة، سيُجادلُ بأنّ الكمّ يضمنُ الجودة، لكن، إن افترضتُ أنّ الكمّ لا يُسفرُ أبداً عن جودةٍ فستُهاجمني بأنّي مغرورٌ وفارغٌ، وأنّي كاذبٌ بكُلّ الدلائل.

ثُمّ، لنأخُذ في الحسبان الطرف الآخر من السّلسلة: «دُونّا تارت»، واحدةٌ من أفضل الرّوائيّين الأميركيّين الّذين قد ظهروا خلال الخمسين عاماً الأخيرة، قد نشرت ثلاث رواياتٍ فحسب، مُنذُ 1992، و«جوناثان فرانزن»، الروائيُّ الأميركيُّ الوحيدُ الذي يُضاهيها في القيمة، قد نشر خمس روايات.

من السّهل أن تُلقي نظرةً على تلك الكُتب القليلة، جميعها كُتبٌ استثنائيّة، وستستنتج أنّهُ، كُلّما كان العدد أقلّ كان ذلك أفضل. لرُبّما .. الـمُتقاعدُ- مُؤخَّراً- «فيليب روث»، الذي كتب أضعاف ما كتبهُ كلاهُما مُجتمعَيْن، روايتُه «OUR GANG» كانت شنيعةً، بشكلٍ واضح. على الجانب الآخر إن رواية «AMERICAN PASTORAL» تبدو لي أفضل من رواية الآنسة تارت «THE GOLDFINCH»، أو رواية السّيد فرانزن «FREEDOM».

أنا قد تعافيتُ من الكحول، لم أتناول شراباً تقريباً طوال سبعةٍ وعشرين عاماً. وفي هذه الأيّام، من النّادر أن يُداخل عقلي أن أشرب. حتى الآن، حين أُفكّرُ بالرّوايات الثّماني تلك للآنسة تارت، والسيد فرانزن، والتي لا تكفي حتى أن تملأ رُبع رفّ في مكتبة، أتذكّرُ غذاءً تناولتُه بصُحبة زوجتي بعد أن توقّفتُ عن الشّراب، وصرتُ مُتّزناً. كان هُناك سيّدتان إلى طاولةٍ بقُربنا. كانتا تتحاوران بحيويّةٍ عظيمة، وهما تُنهيان وجبتيهما، بينما كاساتُ النّبيذ الأبيض، التي قد فرغت أنصافُها، تقبعُ منسيّةً وسط الطّاولة. أحسستُ بدافعٍ شديدٍ لأن أنهض من مكاني وأتحدّث إليهما. هذا ليس صحيحاً! فقط، أحسستُ بدافعٍ لأن أُفزعهُما؛ أن أقول:

«لماذا لا تشربان نبيذكُما؟ إنهُ يقبعُ هاهُنا، اللعنة! بعضنا لا يستطيعُ شُرب النّبيذ، ليس لدينا هذا الامتياز، لكن أنتما تستطيعان، فلماذا، بحقّ الجحيم، لا تفعلان هذا؟».

الفجواتُ المديدة بين الكُتب، لمثل هؤلاء الكُتّاب الموهوبين، تُصيبُني بالجنون. على نحوٍ مُماثل، أُدركُ أنّ كلّ واحد مّنّا يعملُ بسرعةٍ متفاوتة، ولديه عمليةٌ مُختلفةٌ قليلاً. أتفهّمُ أنّ هؤلاء الكُتّاب يُجاهدون في أثناء كتابة كُلّ جُملة- كُلّ كلمة، كي تتضمّن ثقلاً (أو أن يستعير أحدهم عُنوان إحدى أفضل روايات جوناثان فرانزن، كي يكون لديه وقعٌ عظيم). أعلمُ أنّ هذا ليس كسلاً، لكنّه احترامٌ للعمل، وأفهمُ، من مُنطلق عملي الخاصّ، أنّ العجلة تتسبّبُ في الخراب.

لكن، أنا أتفهّمُ أنّ الحياة قصيرة، وأنّه، في النّهاية، لا أحد منّا غزير الإنتاج. الألقُ الإبداعيُّ يخبو، ومن ثمّ، يُخمدُه الموت. وليام شيكسبير، على سبيل المثال، لم يُنتج أيّة مسرحيّةٍ جديدة طوال أربعمئة عام. وبهذا فإن أصدقائي هم تعويذةٌ ناضبةٌ، مُنذُ عهدٍ بعيد. ليس هذا احتيالاً كي أُبرّر به خصوبة ما كتبت. نعم؛ أنا نشرتُ أكثر من خمسٍ وخمسين روايةً. نعم، أنا قد استخدمتُ اسماً مُستعاراً ( ريتشارد باتشمان). نعم نشرتُ، ذات مرّةٍ، أربعة كُتُبٍ في عامٍ واحد، كظلالٍ من سلسلة:(JAMES PATTERSON)، (باسـتثنـاء أن رواياتي كانت أطول، وكُتبت دون مساعدة مُعاون). ونعم، كتبتُ، ذات مرّةٍ روايةً في أسبوعٍ واحد «THE RUNNING MAN». لكن بإمكاني أن أقول، بأمانةٍ، تماماً: أبداً، لم يكُن لديّ أيُّ خيار. وبوصفي شابّاً، كانت رأسي مثل صالة عرض أفلامٍ مُكتظّة، حيث أحدهم قد صرخ: «أطلق النّار»، والجميعُ يتدافعون نحو المخارج، في الوقت نفسه.

كانت لديّ ألفُ فكرة، لكن، لديّ عشرةُ أصابع فقط، وآلةُ كتابةٍ واحدة. كانت هناك أيامٌ (أنا لا أمزحُ بخصوص هذا، أو أُبالغ)، كنتُ أظنُّ أنّ كلّ الأصوات الصّاخبة داخل رأسي ستقودني نحو الجنون.

عودةٌ- إذاً- إلى فترتيَ العشرينات، وأوائل الثلاثينات، غالباً ما كنتُ أُفكّرُ بقصيدة جون كيتس التي تبدأ بقولها:

«حين كانت لديّ مخاوفٌ، ممّا قد أكونه

قبل أن جلّى قلمي .. ما في عقلي من ازدحام ..»

أتصوّرُ أنّ الأمور قد جرت هكذا مع فريدرك شيللر فاوست، المعروف أكثر بـ«ماكس براند» (و المشهور بأنّه مُخترعُ شخصية «DR. KILDARE»). كتب- على الأقلّ- 450 رواية، وصار إنجازُه الفذُّ ملحوظاً أكثر، باعتلال صحته وموته المبكّر، في الواحد والخمسين من عُمره.

ألكسندر دوماس كتب «THE COUNT OF MONTE CRISTO وTHE THREE MUSKETEER»، و250 رواية أُخرى، وهُناك إسحاق عظيموف، الذي باع قصّتهُ القصيرة الأولى في سنّ التاسعة عشرة، قد أنجز، بالمثابرة، أكثر من 500 كتابٍ، وأحدث ثورةً في أدب الخيال العلمي. أُطروحتي، هُنا، هي طرحٌ مُتواضع: غزارةُ الإنتاج، أحياناً، أمرٌ حتميّ، ولديها مكانتها. التعريفُ المقبولُ القائلُ: “أن تُنتج ثماراً أكثر أو أوراقاً، أو ذُريّةً، عدداً من المرّات، لهُ رنّةُ تفاؤليّة، على الأقل، بالنسبة لأُذُني».

ليس كلُّ شخصٍ يتحسّسُ الأمر بهذه الطريقة. أتذكّرُ حفلاً، كان فيه أشخاصٌ قد نصّبوا أنفسهم حُكّاماً أدبيّين، كانوا يُلقون النّكات، حتّى أن «جويس كارول أوتس» كانت، كما السّيدة العجوز، تعيشُ في بيتٍ، وحولها الكثيرُ من الأطفال، ولم تكن تدري ما يجب أن تفعل. في الحقيقة، هي تدري ماذا تفعل، ولماذا تفعلُ ما تفعل.

كتبت في إحدى تدويناتها: «لديّ الكثيرُ من القصص، الكثيرُ من الروايات».

وأنا سعيدٌ بهذا، لأني أُريدُ أن أقرأها.

رواية “البدوي الصغير”: السعودية قبل اكتشاف النفط

رواية “البدوي الصغير”: السعودية قبل اكتشاف النفط

يرصد الكاتب السعودي مقبول العلوي في روايته الأخيرة البدوي الصغير التحولات والتطورات التي طرأت على قرية نائية في السعودية بعد فورة النفط، وما تبع ذلك من تغيّرات على المنطقة وعلى الناس الذين يعيشون فيها.

فالقرية، التي لا تحدد الرواية لها اسماً، كانت مجهولة ومنسية في ستينيات القرن الماضي، إلى أن جاء مجموعة رجال غرباء أقاموا فيها مع آلاتهم ومعداتهم الضخمة، وبدأوا عمليات البحث عن الذهب الأسود. “في فترة الستينيات والسبعينيات الميلادية كانت قريتنا نسياً منسياً، شيئاً لا قيمة له، مثلها مثل مئات القرى الأخرى الواقعة على الأطراف والبعيدة عن المراكز الحضرية على امتداد خارطة البلاد. لكن الأمر تغيّر بعد أن جاء هؤلاء الرجال ذوو الشعر الأشقر والعيون الزرق عندما قيل إن الصحراء التي تحيط بنا من كل الجهات تقف على كميات هائلة من البترول”.

تنشأ بين هؤلاء الرجال الغرباء وأهالي القرية علاقات اجتماعية وإنسانية، فيؤثر ويتأثر كل منهما بالآخر، خصوصاً “المستر دنكان” الذي أحبه الجميع، وأنشد له الصغار أغنية خاصة كانوا يلاحقونه بها حين يرونه واقفاً يبول. وقد ربطت صداقة خاصة بينه وبين سعدون، والد بطل الرواية، الذي كان يشتري ليرات الفضة الفرنسية من البدو، ليعيد بيعها للرجل الأجنبي المهووس بجمعها. وكان من نتائج هذه الصداقة أن حصل سعدون على جهاز غرامافون وخمس أسطوانات لألفيس برسلي، هدية من صديقه، وسيورثها في ما بعد لابنه غسان، الذي سيغرم بألفيس برسلي، هو البدوي الذي لم يخرج من قريته يوماً.

تشير الرواية إلى دور هذا الاختلاط مع الغربيين، وكيف شكّل نوعاً من الصدمة الحضارية لكل من الطرفين. وكان فتحاً كبيراً في العالم الضيق البسيط للقرية، فخرجت من عزلتها لتصبح جزءاً من العالم.

يذكر الروائي التواريخ الحقيقية لبعض الأحداث، كما يذكر أسماء بعض الشخصيات الحقيقية، ويسرد بعضاً من المعلومات عنها، فيضفي على الرواية جواً من الواقعية. كأنه يريد القول إن ما يكتبه هنا ليس خيالاً فقط، بل هو في جزء منه واقع حقيقي. ومن هذه الشخصيات المؤرخ والرحالة الشهير ولفريد تسيغر، صاحب كتاب “رمال العرب” والذي اشتهر باسم مبارك بن لندن. يجعل الكاتب منه أحد شخصيات الرواية، فيحكي عن رحلته إلى المنطقة، وانبهاره ببعض الأشياء، ودهشته أمام بعضها الآخر، وكيف وثق ذلك كله في كتابه الشهير. “كان طالع، عندما يسترجع أيامه مع ولفريد تسيغر، يحكّ مقدمة رأسه وهو يقول متنهداً: يا سعدون ولا يهون بقية السامعين هذاك رجل مبروك. لم تر عيني مثله. قضيت معه سنة كاملة ولم أر منه إلا كل خير، ولولا معرفتي التامة بأنه رجل نشمي، يقدر المعروف والرجال لكنت تركته في البر ولم أرافقه في حل أو ترحال. كأنه منا، كان يشرب من البئر، ويتغوط في البر الفسيح ويشوي الجراد ويأكله مثلنا تماماً”.

هكذا تمضي الرواية إذاً، وغسان بطل الرواية وراويها، يحكي عن ذكريات الطفولة التي يصف من خلالها هذه القرية الوادعة، التي تغيّرت كثيراً مع مرور الوقت، في ما يشبه حنيناً رومانسياً لذلك الزمن العذب الذي ولى إلى غير رجعة.

غير أن ما سيشكّل انعطافة في سير الأحداث، ويقلب حبكة الرواية كلياً، هو اكتشافه لفرقة الآبا السويدية “Abba”. التي ستعرّفه إليها نادين، الشابة السورية التي كانت تعطيه دروس اللغة الإنجليزية، والتي تنشأ بينه وبينها علاقة عاطفية بريئة، يكون هدفها البوح والاشتراك في حب الفرقة السويدية. هكذا تطلق عليه اسم “البدوي الصغير”، وتروي له حكاية هروبها من حماة السورية بعد أحداث الثمانينيات، وكيف تزوجت بالمعلم الذي يكبرها بعشرين عاماً وأتت معه إلى السعودية.

يقع غسان في حب أغنيثا فلتسكوغ، إحدى مغنيات الفرقة السويدية، ويصبح مهووساً بها، فيتعلق بالفرقة أكثر، ويبدأ بتتبع أخبارها وجمع صورها. “أغنيثا فلتسكوغ، حفيدة غزاة الفايكينغ، التي غزتني وأسرت قلبي وامتلكت كل جوارحي هنا في هذه القرية البعيدة في قلب هذه الصحراء المجدبة. أغنيثا التي تتراءى لي مثل غيمة أحلم بها كل ليلة وفي أحلام اليقظة لتمطر وتزيل جفاف أيامي وجدبها، أناجيها وألمس شعرها الذهبي وأتوه في زرقة عينيها…”.

يستمر هذا العشق المستحيل طوال ثلاثين عاماً، وفي 5 مايو 2013، يسافر إلى استوكهولم بعد أن أصبح صحافياً مرموقاً، ليحضر افتتاح متحف فرقة “آبا”، ويرى معشوقته الأزلية التي أحبها طوال تلك الفترة بصمت، وهناك ستتكشف الكثير من الحقائق المثيرة، والمفاجآت الغريبة.

مقبول العلوي، قاص وروائي سعودي، من مواليد 1969. يكتب في بعض الصحف والمواقع الإلكترونية. صدرت له مجموعة قصصية واحدة هي “فتيات العالم السفلي”، وخمس روايات: “فتنة جدة” التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2010، “سنوات الحب والخطيئة”، “خرائط المدن الغاوية”، “زرياب” التي حازت جائزة معرض الرياض الدولي للكتاب 2015، و”البدوي الصغير”.

الناشر: دار الساقي/ بيروت

عدد الصفحات: 208

الطبعة الأولى: 2016

يمكن شراء الرواية على موقع نيل وفرات أو على موقع متجر الكتب العربية جملون